البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢٤ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
وَ لَمْ يَعْلَمْ أَبُو سُفْيَانَ بِإِسْلاَمِ نُعَيْمٍ،وَ لاَ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ.
ثُمَّ جَاءَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ،فَقَالَ:يَا كَعْبُ،تَعْلَمُ مَوَدَّتِي لَكُمْ،وَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ:نَخْرُجُ بِهَؤُلاَءِ الْيَهُودِ،فَنَضَعُهُمْ فِي نَحْرِ مُحَمَّدٍ،فَإِنْ ظَفِرُوا كَانَ الذِّكْرُ لَنَا دُونَهُمْ،وَ إِنْ كَانَتْ عَلَيْنَا كَانُوا هَؤُلاَءِ مَقَادِيمَ الْحَرْبِ،فَلاَ أَرَى لَكُمْ أَنْ تَدَعُوهُمْ يَدْخُلُوا عَسْكَرَكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ عَشَرَةً مِنْ أَشْرَافِهِمْ يَكُونُونَ فِي حِصْنِكُمْ، إِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ لَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ وَ عَقْدَكُمْ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَ بَيْنَكُمْ،لِأَنَّهُ إِنْ وَلَّتْ قُرَيْشٌ وَ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ،غَزَاكُمْ مُحَمَّدٌ،فَيَقْتُلُكُمْ.فَقَالُوا:أَحْسَنْتَ،نَصَحْتَ وَ أَبْلَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ،لاَ نَخْرُجُ مِنْ حِصْنِنَا حَتَّى نَأْخُذَ مِنْهُمْ رَهْناً يَكُونُونَ فِي حِصْنِنَا.
وَ أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ،فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْخَنْدَقِ،قَالُوا:هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا قَبْلَ ذَلِكَ.فَقِيلَ لَهُمْ:هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْفَارِسِيِّ الَّذِي مَعَهُ.فَوَافَى عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ،وَ هُبَيْرَةُ بْنُ وَهْبٍ،وَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْخَنْدَقِ،وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَدْ صَفَّ أَصْحَابَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ،فَصَاحُوا بِخَيْلِهِمْ حَتَّى طَفِرُوا الْخَنْدَقَ إِلَى جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ صَارَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كُلُّهُمْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ قَدَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بَيْنَ أَيْدِيهِمْ،وَ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ-وَ هُوَ فُلاَنٌ-لِرَجُلٍ بِجَنْبِهِ مِنْ إِخْوَانِهِ:أَ مَا تَرَى هَذَا الشَّيْطَانَ -عَمْرٌو-لاَ وَ اللَّهِ مَا يُفْلِتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَحَدٌ،فَهَلُمُّوا نَدْفَعُ إِلَيْهِ مُحَمَّداً لِيَقْتُلَهُ،وَ نَلْحَقُ نَحْنُ بِقَوْمِنَا.فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَوْلِهِ: قَدْ يَعْلَمُ اللّٰهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا وَ لاٰ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّٰ قَلِيلاً* أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيراً [١].
فَرَكَزَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ رُمْحَهُ فِي الْأَرْضِ،وَ أَقْبَلَ يَجُولُ حَوْلَهُ،وَ يَرْتَجِزُ،وَ يَقُولُ:
وَ لَقَدْ بَحَحْتُ مِنَ النِّدَا
ءِ بِجَمْعِكُمْ:هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟
وَ وَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ الشُّجَا
عُ مَوَاقِفَ الْقَرْنِ الْمُنَاجِزِ
إِنِّي كَذَلِكَ لَمْ أَزَلْ
مُتَسَرِّعاً نَحْوَ الْهَزَاهِزِ
إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى
وَ الْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«مَنْ لِهَذَا الْكَلْبِ؟»فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ،فَقَامَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ:«أَنَا لَهُ،يَا رَسُولَ اللَّهِ»فَقَالَ:«يَا عَلِيُّ،هَذَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ فَارِسُ يَلْيَلَ [٢]»فَقَالَ:«أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«ادْنُ مِنِّي»فَدَنَا مِنْهُ،فَعَمَّمَهُ بِيَدِهِ،وَ دَفَعَ إِلَيْهِ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ،وَ قَالَ لَهُ:«اذْهَبْ،وَ قَاتِلْ بِهَذَا».وَ قَالَ:
«اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ،وَ مِنْ خَلْفِهِ،وَ عَنْ يَمِينِهِ،وَ عَنْ شِمَالِهِ،وَ مِنْ فَوْقِهِ،وَ مِنْ تَحْتِهِ».
فَمَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ هُوَ يُهَرْوِلَ فِي مَشْيِهِ،وَ هُوَ يَقُولُ:
«لاَ تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَا
كَ مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزٍ
[١] الأحزاب ٣٣:١٨ و ١٩.
[٢] يليل:موضع،و هو وادي ينبع،أو وادي الصفراء دوين بدر.و فارس يليل:لقب عمرو بن عبد ودّ،انظر:«لسان العرب-يليل-١١:٧٤٠».