البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٧١ - الشعراء آيه ٦٣-١٠
وَ مَرَّ مُوسَى فِي الْهَزِيمَةِ مَعَ النَّاسِ،فَنَادَاهُ اللَّهُ: خُذْهٰا وَ لاٰ تَخَفْ سَنُعِيدُهٰا سِيرَتَهَا الْأُولىٰ [١]،فَرَجَعَ مُوسَى،وَ لَفَّ عَلَى يَدِهِ عَبَاءَةً كَانَتْ عَلَيْهِ،ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهَا،فَإِذَا هِيَ عَصَا كَمَا كَانَتْ،فَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ:
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سٰاجِدِينَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ،وَ قٰالُوا آمَنّٰا بِرَبِّ الْعٰالَمِينَ* رَبِّ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ ،فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ غَضَباً شَدِيداً،وَ قَالَ: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ يَعْنِي مُوسَى اَلَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاٰفٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فَقَالُوا،كَمَا حَكَى اللَّهُ:
لاٰ ضَيْرَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا مُنْقَلِبُونَ* إِنّٰا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنٰا رَبُّنٰا خَطٰايٰانٰا أَنْ كُنّٰا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ .
فَحَبَسَ فِرْعَوْنُ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى فِي السِّجْنِ،حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ،وَ الْجَرَادَ،وَ الْقُمَّلَ،وَ الضَّفَادِعَ، وَ الدَّمَ،فَأَطْلَقَ فِرْعَوْنُ عَنْهُمْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: أَنْ أَسْرِ بِعِبٰادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ،فَخَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ،لِيَقْطَعَ بِهِمُ الْبَحْرَ،وَ جَمَعَ فِرْعَوْنُ أَصْحَابَهُ،وَ بَعَثَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ،وَ حُشِرَ النَّاسَ،وَ قَدَّمَ مُقَدِّمَتَهُ فِي سِتَّ مِائَةِ أَلْفٍ،وَ رَكِبَ هُوَ فِي أَلْفٍ أَلْفٍ،وَ خَرَجَ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: فَأَخْرَجْنٰاهُمْ مِنْ جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ كُنُوزٍ وَ مَقٰامٍ كَرِيمٍ* كَذٰلِكَ وَ أَوْرَثْنٰاهٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ* فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ،فَلَمَّا قَرُبَ مُوسَى مِنَ الْبَحْرِ،وَ قَرُبَ فِرْعَوْنُ مِنْ مُوسَى،قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: إِنّٰا لَمُدْرَكُونَ ،قَالَ مُوسَى: كَلاّٰ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أَيْ سَيُنْجِينِي:فَدَنَا مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مِنَ الْبَحْرِ،فَقَالَ لَهُ:اِنْفَلِقْ،فَقَالَ الْبَحْرُ لَهُ:اِسْتَكْبَرْتَ-يَا مُوسَى-أَنْ تَقُولَ لِي أَنْفَلِقُ [٢] لَكَ،وَ لَمْ أَعْصِ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ،وَ قَدْ كَانَ فِيكُمُ الْمَعَاصِي؟فَقَالَ لَهُ مُوسَى:فَاحْذَرْ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ آدَمَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَعْصِيَتِهِ،وَ إِنَّمَا إِبْلِيسُ لُعِنَ بِمَعْصِيَتِهِ،فَقَالَ الْبَحْرُ:رَبِّي عَظِيمٌ،مُطَاعٌ أَمْرُهُ،وَ لاَ يَنْبَغِي لِشَيْءٍ أَنْ يَعْصِيَهُ.
فَقَامَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ،فَقَالَ لِمُوسَى:يَا رَسُولَ اللَّهِ،مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ؟قَالَ:بِعُبُورِ الْبَحْرِ.فَاقْتَحَمَ يُوشَعُ فَرَسُهُ فِي الْمَاءِ،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْبَحْرَ ،فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ فَكٰانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، أَيْ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ،فَضَرَبَ لَهُ فِي الْبَحْرِ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقاً،فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمْ فِي طَرِيقٍ،فَكَانَ الْمَاءُ قَدِ ارْتَفَعَ، وَ بَقِيَتِ الْأَرْضُ يَابِسَةً،طَلَعَتْ فِيهَا الشَّمْسُ،فَيَبِسَتْ،كَمَا حَكَى اللَّهُ: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاٰ تَخٰافُ دَرَكاً وَ لاٰ تَخْشىٰ [٣].
وَ دَخَلَ مُوسَى وَ أَصْحَابُهُ الْبَحْرَ،وَ كَانَ أَصْحَابُهُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطاً،فَضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْبَحْرِ أَثْنَى عَشَرَ طَرِيقاً، فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ فِي طَرِيقٍ،وَ كَانَ الْمَاءُ قَدِ ارْتَفَعَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ مِثْلَ الْجِبَالِ،فَجَزِعَتِ الْفِرْقَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي طَرِيقِهِ،فَقَالُوا:يَا مُوسَى أَيْنَ إِخْوَانُنَا؟فَقَالَ لَهُمْ:مَعَكُمْ فِي الْبَحْرِ.فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ،فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ، فَصَارَتْ طَاقَاتٍ،حَتَّى كَانَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،وَ يَتَحَدَّثُونَ.
وَ أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ،فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ،قَالَ لِأَصْحَابِهِ:أَ لاَ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَبَّكُمْ الْأَعْلَى؟قَدْ فُرِّجَ لِي
[١] طه ٢٠:٢١.
[٢] في«ط»:أنفرق انفرق.و في«ي»افترق افترق.
[٣] طه ٢٠:٧٧.