البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٣٥ - الفرقان آيه ٣٨
وَ إِنَّمَا سَمَّتِ الْعَجَمُ شُهُورَهَا بِآبَانَ مَاهَ،وَ آذَرَ مَاهَ،وَ غَيْرِهِمَا،اشْتِقَاقاً مِنْ أَسْمَاءِ تِلْكَ الْقُرَى،لِقَوْلِ أَهْلِهَا بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ:هَذَا عِيدُ شَهْرِ كَذَا،وَ عِيدُ شَهْرِ كَذَا؛حَتَّى إِذَا كَانَ عِيدُ قَرْيَتِهِمُ الْعُظْمَى،اجْتَمَعَ إِلَيْهَا صَغِيرُهُمْ وَ كَبِيرُهُمْ، فَضَرَبُوا عِنْدَ الصَّنَوْبَرَةِ وَ الْعَيْنِ سُرَادِقاً مِنْ دِيبَاجٍ،عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ،وَ جَعَلُوا لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ بَاباً،كُلُّ بَابٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهُمْ،وَ يَسْجُدُونَ لِلصَّنَوْبَرَةِ،خَارِجاً مِنَ السُّرَادِقِ،وَ يُقَرِّبُونَ إِلَيْهَا الذَّبَائِحَ،أَضْعَافَ مَا قَرَّبُوهُ لِلشَّجَرَةِ الَّتِي فِي قُرَاهُمْ،فَيَجِيءُ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ،فَيُحَرِّكُ الصَّنَوْبَرَةَ تَحْرِيكاً شَدِيداً،وَ يَتَكَلَّمُ مِنْ جَوْفِهَا كَلاَماً جَهْوَرِيّاً،وَ يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَعَدَتْهُمْ وَ مَنَّتْهُمُ الشَّيَاطِينُ كُلُّهَا،فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ،وَ بِهِمْ مِنَ الْفَرَحِ وَ النَّشَاطِ مَا لاَ يُفِيقُونَ،وَ لاَ يَتَكَلَّمُونَ،مِنَ الشُّرْبِ وَ الْعَزْفِ،فَيَكُونُونَ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً وَ لَيَالِيَهَا،بِعَدَدِ أَعْيَادِهِمْ بِسَائِرِ السَّنَةِ،ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.
فَلَمَّا طَالَ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِبَادَتُهُمْ غَيْرَهُ،بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ نَبِيّاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،مِنْ وُلْدِ يَهُودَا ابْنِ يَعْقُوبَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمَاناً طَوِيلاً،يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ،فَلاَ يَتَّبِعُونَهُ،فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ وَ الضَّلاَلِ،وَ تَرْكَهُمْ قَبُولَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الرُّشْدِ وَ النَّجَاحِ،وَ حَضَرَ عِيدُ قَرْيَتِهِمُ الْعُظْمَى،قَالَ:يَا رَبِّ،إِنَّ عِبَادَكَ أَبَوْا إِلاَّ تَكْذِيبِي،وَ الْكُفْرَ بِكَ،وَ غَدَوْا يَعْبُدُونَ شَجَرَةً لاَ تَنْفَعُ وَ لاَ تَضُرُّ،فَأَيْبِسْ شَجَرَهُمْ أَجْمَعَ،وَ أَرِهِمْ قُدْرَتَكَ وَ سُلْطَانَكَ.فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَ قَدْ يَبِسَ شَجَرُهُمْ،فَهَالَهُمْ ذَلِكَ،وَ فَظَعَ [١] بِهِمْ،وَ صَارُوا فِرْقَتَيْنِ:فِرْقَةٌ قَالَتْ:سَحَرَ آلِهَتَكُمْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ إِلَيْكُمْ،لِيَصْرِفَ وُجُوهَكُمْ عَنْ آلِهَتَكُمْ إِلَى إِلَهِهِ.وَ فِرْقَةٌ قَالَتْ:لاَ،بَلْ غَضِبَتْ آلِهَتُكُمْ حِينَ رَأَتْ هَذَا الرَّجُلَ يَعِيبُهَا،وَ يَقَعُ فِيهَا-،وَ يَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِهَا،فَحَجَبَتْ حُسْنَهَا وَ بَهَاءَهَا لِكَيْ تَغْضَبُوا لَهَا،فَتَنْتَصِرُوا مِنْهُ.
فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ،فَاتَّخَذُوا أَنَابِيبَ طُوَالاً مِنْ رَصَاصٍ،وَاسِعَةَ الْأَفْوَاهِ،ثُمَّ أَرْسَلُوهَا فِي قَرَارِ الْعَيْنِ،إِلَى أَعْلَى الْمَاءِ،وَاحِدَةً فَوْقَ الْأُخْرَى،مِثْلَ الْبَرَابِخِ [٢]،وَ نَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ،ثُمَّ حَفَرُوا فِي قَرَارِهَا بِئْراً ضَيِّقَةَ الْمَدْخَلِ،عَمِيقَةً،وَ أَرْسَلُوا فِيهَا نَبِيَّهُمْ،وَ أَلْقَمُوا فَاهَا صَخْرَةً عَظِيمَةً،ثُمَّ أَخْرَجُوا الْأَنَابِيبَ مِنَ الْمَاءِ،وَ قَالُوا:اَلْآنَ نَرْجُو أَنْ تَرْضَى عَنَّا آلِهَتُنَا،إِذَا رَأَتْ أَنَّا قَدْ قَتَلْنَا مَنْ كَانَ يَقَعُ فِيهَا،وَ يَصُدُّ عَنْ عِبَادَتِهَا،وَ دَفَنَّاهُ تَحْتَ كَبِيرِهَا،يَتَشَفَّى مِنْهُ،فَيَعُودُ إِلَيْهَا [٣] نَوْرُهَا وَ نَضْرَتُهَا كَمَا كَانَ.فَبَقُوا عَامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أَنِينَ نَبِيِّهِمْ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ هُوَ يَقُولُ:سَيِّدِي،قَدْ تَرَى ضِيقَ مَكَانِي،وَ شِدَّةَ كَرْبِي،فَارْحَمْ ضَعْفَ رُكْنِي،وَ قِلَّةَ حِيلَتِي،وَ عَجِّلْ بِقَبْضِ رُوحِي،وَ لاَ تُؤَخِّرْ إِجَابَةَ دَعْوَتِي، حَتَّى مَاتَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِجَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):يَا جَبْرَئِيلُ،أَ يَظُنُّ عِبَادِي هَؤُلاَءِ،الَّذِينَ قَدْ غَرَّهُمْ حِلْمِي،وَ أَمِنُوا مَكْرِي،وَ عَبَدُوا غَيْرِي،وَ قَتَلُوا رَسُولِي،أَنْ يُقِيمُوا [٤] لِغَضَبِي،أَوْ يَخْرُجُوا مِنْ سُلْطَانِي؟كَيْفَ وَ أَنَا الْمُنْتَقِمُ مِمَّنْ
[١] في المصدر:و قطع.
[٢] البرابخ:البالوعة الواسعة من الخزف.«أقرب الموارد-برخ-١:٣٥».
[٣] في المصدر:لنا.
[٤] في المصدر:يقوموا.