جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٥٢ - الأول الماهية
و المصلي بالمدينة ينزّل محراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم منزلة الكعبة. (١)
قوله: (و المصلّي بالمدينة ينزّل محراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله منزلة الكعبة).
[١] المراد تنزيله في الدلالة على جهة الكعبة منزلة الكعبة، بمعين أنّه لا يسوغ التيامن عنه و لا التياسر و إن قل، و لو اجتهد الحاذق بعلامات القبلة، فأداه اجتهاده إلى التيامن أو التّياسر عنه فاجتهاده باطل لا يجوز له و لا لغيره التعويل عليه، فانّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله معصوم لا يجوز عليه الخطأ.
و روي: أنه لما أراد نصبه زويت [١] له الأرض فجعله بإزاء الميزاب [٢]، و هذا لا ينافي ما تقدم لأنّه خبر واحد، و لأن الموازاة تصدق على المسامتة و إن لم يكن هناك محاذاة حقيقة.
و لا يجوز أن يريد بتنزيل محرابه عليه الصّلاة و السّلام منزلة الكعبة ما يدل عليه ظاهر اللّفظ، إذ من المعلوم أنّ من صلّى عن يمينه أو يساره لا يصلّي إليه بحيث ينحرف إليه، بل يصلّي على محاذاته.
و كذا كلّ موضع تواتر أنه صلّى فيه المعصوم، و بقيت الجهة مضبوطة إلى الآن، و منه المسجد الأعظم بالكوفة، لأنّ محرابه نصبه أمير المؤمنين عليه السّلام، و صلّى إليه هو و الحسن و الحسين عليهم السّلام، و محراب مسجد البصرة، و إن نصبه غيره عليه السلام، الا أنّه صلّى فيه، فلا يبعد جعله كمحراب مسجد الكوفة، و بخراسان مسجد ينسب إلى الرّضا عليه السّلام، به محراب على وفق قبلة الإماميّة، إن ثبتت النّسبة كان كغيره من محاريب المعصومين، و إلّا فكمحاريب المسلمين يجوز للحاذق إذا أداه اجتهاده إلى التيامن أو التياسر عنه التعويل عليه، لا إن أداه إلى المخالفة في الجهة، لبعد الغلط على المسلمين في الجهة، أمّا التيامن و التياسر فيمكن الغلط منهم فيه، و قبور المسلمين مثل محاريبهم.
[١] زويت: تنحت، لسان العرب (زوي) ١٤: ٣٦٣.
[٢] صحيح مسلم ٤: ٢٢١٥ حديث ٢٨٨٩ كتاب الفتن، سنن ابي داود ٤: ٩٧ حديث ٤٢٥٢، مسند أحمد ٥: ٢٧٨ و ٢٨٤.