جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ١٥٩ - المطلب الثالث فيما يسجد عليه
..........
و عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني عمّا يجوز السّجود عليه، و عمّا لا يجوز؟ قال: «السّجود لا يجوز إلّا على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض، إلّا ما أكل أو لبس» [١].
إذا عرفت ذلك فالمراد بالمأكول عادة: ما صدق عليه اسم المأكول عرفا، لكون الغالب أكله، و لو في بعض الأقطار، فلو أكل نادرا أو في محل الضّرورة لم يعد مأكولا، كما في المخمصة، و كالعقاقير التي تجعل في الأدوية من النّباتات التي لم يكثر أكلها.
و لو أكل شائعا في قطر دون غيره فهو مأكول على الظاهر، إذ لا تطرد أغلبية أكل شيء في جميع الأقطار، فإن الحنطة مثلا لا تؤكل في بعض البلاد إلا نادرا، و كذا القول في الملبوس.
و حذف المصنّف قيد العادة من الملبوس لدلالة ما قبله، و لأن صدق اسم الملبوس على شيء إنّما يتحقّق بالعادة، لأنّ المرجع في مدلولات مثل هذه الألفاظ إلى العرف، فلو اتّخذ من خوص النّخل، أو من ليفه، أو نحوهما ثوبا لم يمنع من السّجود عليه، لعدم كونه ملبوسا في العادة.
و لو كان لشيء حالتان يؤكل في إحداهما دون الأخرى كقشر اللوز، و جمّار النّخل لم يجز السّجود عليه حالته الاولى، و جاز في الحالة الأخرى، لأن قشر اللّوز و جمّار النّخل يصير بعد من جملة الخشب.
و اعلم أن قول المصنّف: (غير المأكول عادة و لا الملبوس) استثناء من النابت من الأرض، و قوله: (إذا لم يخرج بالاستحالة عنها) قيد في الأرض، و العامل في الظرف (يصح)، و الضّمير في (يخرج) يعود إلى الأرض.
و في العبارة مناقشة لطيفة، و هو أن ما عدّ أرضا كيف يكون خارجا بالاستحالة عنها، فان المستحيل لا يعد أرضا كما أن الأرض لا تكون مستحيلة؟
و يمكن الحمل على اختلاف الزّمان، على معنى أنّه يصحّ السّجود على ما عدّ أرضا إذا لم تحدث له الاستحالة بعد ذلك عن اسم الأرض، فما لا يعد أرضا أصلا يكون
[١] الفقيه ١: ١٧٧ حديث ٨٤٠، علل الشرائع: ٣٤١ حديث ١، التهذيب ٢: ٢٣٤ حديث ٩٢٥.