نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٩ - الاحتفال بالمولد
الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، و إشهاره كلّ سنة و فيما جرى في مولده و فيما بعده من الوقائع
فى الأخبار المشهورة أن الليلة التي ولد فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ارتجّ إيوان [١] كسرى و سقطت منه أربع عشرة شرّافة إشارة إلى أنه لم يبق من ملوكهم المستبدين بالملك إلا أربعة عشر ملكا؛ فهلك عشرة في أربع سنين، و هلك أربعة إلى زمن عثمان رضى الله عنه، و زال ملكهم بالكلية. و رأى في تلك الليلة أنوشروان رؤيا أفزعته، فجمع الكهنة و السحرة و المنجمين فقصها عليهم، فدلّوه على (سطيح) الكاهن ليعبرها له، و كان مشهورا بالكهانة، فأرسل كسرى إليه وزيره، و كان سطيح يخرجه قومه على رأس كل سنة مستلقيا، فيتكلم بأحكام السنة الآتية، فلمّا خرج بدأ الكلام بالرؤيا قبل القصّ عليه، فقال: «إن كسرى رأى رؤيا هالته، رأى خيولا عربية ملأت مدينته، تسوق إبل العراق و تخرجها من البلاد؛ فالخيول العربية أصحاب النبي القرشى الهاشمى المكيّ المدنيّ الخاتم، الّذي يختم الله به الأنبياء، و يأتيه الوحى من الملك الواحد الأحد الفرد الصمد، و سيفتح له البلاد و المدائن بالعراقين و غيرهما، على عدد شرّافات بقين من الإيوان حين سقوطه ليلة ميلاده، الحذر الحذر من مخالفته، من كل من وصل إلى زمن دعوته!» ثم بكى سطيح و قال: «ما بقي من عمرى إلا قليل، لا أدرك بعثة النبي الجليل» قال: فرجع وزير كسرى القهقري، فأخبر الملك بما أخبر به سطيح، فوقع ما قال مما قدّره القادر المتعال.
[الاحتفال بالمولد]:
و قد سبق لنا في الفصل الأوّل من الباب الأوّل: أن (ثويبة) جارية أبى لهب لمّا بشّرته بولادته (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعتقها عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما، فخفّف الله عنه العذاب كل يوم اثنين الّذي هو يوم مولده، و لعل تخفيف عذابه
[١] الإيوان: مجلس كبير على هيئة صفّة واسعة، لها سقف محمول من الأمام على عقد يجلس فيها كبار القوم.