نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٧ - رضاعه
بالأجزاء الترابية التي هى محل الأرجاس و عنصر الأكدار: الإيماء إلى أن الوقت يصفو له و لأمته، و يروق لشريعته الغرّاء و سنته، و الإشارة إلى ثلوج صدره، أى انشراحه بالنصر على أعدائه و الظفر بهم، و الإيذان ببرودة قلبه (أى طمأنينته على أمته بالمغفرة لهم و التجاوز عن سيئاتهم). و قال ابن دحية: «إنما غسل قلبه بالثلج؛ لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه». و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول بين التكبير و القراءة: «اللهم اغسلنى من خطاياى بالثلج و البرد» [١] خصّهما بالذكر تأكيدا للطهارة و مبالغة فيها، لأنهما ما ان مفطوران على خلقتهما لم يستعملا و لم تنلهما الأيدي، و لم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب و جرت في الأنهار و جمعت في الحياض، فكانا أحقّ بكمال الطهارة. و أراد تعالى أن يغسل قلبه بماء حمل من الجنة، و طست ملئ حكمة و إيمانا؛ ليعرف قلبه طيب الجنة و يجد حلاوتها؛ فيكون في الدنيا أزهد، و على دعوة الخلق إلى الجنة أحرص، و لأنه كان له أعداء يتقوّلون عليه، فأراد الله تعالى أن ينفى عنه طبع البشرية من ضيق الصدر و سوء مقالات الأعداء، فغسل قلبه ليورث ذلك صدره سعة و يفارقه الضيق كما قال تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [الحجر: ٩٧]؛ فغسل قلبه غير مرة، فصار بحيث إذا ضرب أو شجّ رأسه و شظيت رباعيته كما في يوم أحد يقول: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» [٢].
و لما أكمل ست سنين توجّهت أمه مع أم أيمن حاضنته (عليه الصلاة و السلام) لزيارة أخوال أبيه بنى النجار، و أقاموا شهرا و رجعوا ذاهبين إلى مكة، فلما نزلوا بالأبواء (محل بين مكة و المدينة، و هو إلى المدينة أقرب) ماتت أمه، فدخلت به أم أيمن مكة، و كان يقول لها: «أنت أمّى بعد أمي» أى في الاحترام؛ لأنها قامت مقام أمه في تربيته.
فضمّه جده عبد المطلب، و كان يرقّ عليه و يعلى منزلته و يقول: إن لولدى هذا شأنا عظيما. و كان أبوه عبد الله مات و له سنتان، و قيل و هو حمل، لأن عبد المطلب كان يبعثه إلى غزة من الشام يمتار لهم طعاما مع تجار من قريش، فلما رجعوا مرض عبد الله؛ فلما دخلوا إلى المدينة تخلّف بها عند أخواله بنى النجار،
[١] جزء من حديث طويل رواه الترمذي، و النسائي و ابن ماجه.
[٢] رواه الطبراني في الكبير عن سهيل بن سعد.