نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨٤ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
و لم يبايع أسامة عليا و لا شهد معه شيئا من حروبه، و قال له أى لعليّ: «لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدى معها، و لكنك قد سمعت ما قال لى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين قتلت ذلك الرجل الّذي شهد ألا إله إلا الله»، و هو ما أخبرنا به أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بن علي البغدادي، بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدّثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده أسامة بن زيد، «قال أدركته (يعنى كافرا كان قتل في المسلمين في غزاة لهم) أنا و رجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح، قال: أشهد ألا إله إلا الله، فلم نبرح عنه حتّى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبرناه خبره، فقال: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله!! فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال: من لك يا أسامة بلا إله إلا الله!! فو الّذي بعثه بالحق ما زال يرددها حتى وددت أن ما مضى من إسلامى لم يكن، و أنى أسلمت يومئذ، فقلت: أعطى الله عهدا ألا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله» [١].
و روى محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: رأيت أسامة بن زيد يصلّى عند قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدعا مروان إلى جنازة ليصلّى عليها، فصلّى عليها، ثم رجع و أسامة يصلّى عند باب بيت النبي، فقال له مروان: «إنما أردت أن يرى مكانك، فعل الله بك»، و قال قولا قبيحا، ثم أدبر، فانصرف أسامة و قال: «يا مروان إنك آذيتني، و إنك فاحش متفحش، و إنى سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش» [٢].
و قال بعضهم: يجوز للامر بالمعروف و الناهي عن المنكر و المؤدّب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: يا ضعيف الحال أو يا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالم نفسه، و ما أشبه ذلك، بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، و لا يكون فيه لفظ قذف؛
[١] و من مثل هذا يفهم أنّ الصحابة الذين امتنعوا عن القتال مع الإمام على رضى الله عنه و كرم الله وجهه: إنما امتنعوا لعلل و أسباب أخرى، لا لكراهية القتال مع الإمام، رضى الله عنهم جميعا، و أن الذين خاضوا في أعراض الصحابة إنما ارتكبوا جرما و إجراما؛ نسأل الله السلامة و العافية.
[٢] رواه الإمام أحمد.