نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨ - رضاعه
عنها، و له من الولد: سلمة، و عمرو، و درة، و زينب أمهم أم سلمة. و كانت ثويبة جارية أبى لهب، فأعتقها حين بشرته بولادته (صلّى اللّه عليه و سلّم) عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما.
و ذكر عروة بن الزبير أن أبا لهب رؤى في النوم بشرّ حيبة [١] فقيل له: ما ذا لقيت فقال له: لم ألق بعدكم رخاء، غير أنّى سقيت في هذه منى بعتاقتى ثويبة، (و أشار إلى النقيرة التي بين الإبهام و التى تليها من الأصابع). (و في رواية أن الرائى كان من أهله، و أنه أخوه العباس بن عبد المطلب، قال: مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: «ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفّف عنى كل يوم اثنين» و ذلك أن رسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولد يوم الاثنين [٢]، و كانت ثويبة مولاته قد بشرته بمولده، و قوله: (بعتاقتي)، بفتح العين أحد مصادر عتق العبد الّذي هو فعل لازم) فالحكمة في التعبير به دون التعبير بالإعتاق، و إن كان هو الأنسب؛ لأن العتاقة أثر الإعتاق، فلذلك أضافها لنفسه. قال ابن بطال: و معنى قوله (سقيت في هذه الخ): أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه، لأجل عتقه ثويبة. قال ابن حجر: و استدل به على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، و هو مردود بظاهر قوله تعالى: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [٣] [الفرقان: ٢٣] لا سيما و الخبر مرسل، أرسله عروة، و لم يذكر من حدّثه به، و على تقدير أن يكون موصلا فلا يحتجّ به؛ إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي. لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مخصوصا بذلك، بدليل التخفيف عن أبى طالب [٤] المرويّ في الصحيح. و على هذا جرى جمع؛ قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار
[١] الحيبة: الحالة. ا ه (من هامش الأصل).
[٢] هذا خبر مشهور جدا، و قد كان يصومه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[٣] و بقوله تعالى: وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف: ٢٠].
[٤] حديث عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، و هو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه، صحيح مسلم ١/ ١٩٦ كتاب الإيمان.