نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٧ - رضاعه
[تعبده (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل البعثة]:
و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبغض حضور الأصنام مع قومه، و لم يأكل مما ذبح على النّصب، و ما عبد غير الله، و ما شرب خمرا، و كذلك الأنبياء لم يعبدوا سوى الله قبل أن يوحى إليهم؛ فإنهم معصومون عن الكبائر و الصغائر، و عن الكفر قبل البعثة بالاتفاق. و اختلف في تعبده (صلّى اللّه عليه و سلّم): هل كان بشريعة من قبله أو لا؟ فقيل:
إنه كان متعبدا بشريعة موسى، و قيل بشريعة عيسى، و قيل بشريعة إبراهيم، و قيل بشريعة نوح (عليهم السلام)، و قيل إنه لم يكن متعبدا، و المختار أنه كان متعبدا قبل البعث؛ لأنه ثبت أنه كان متعبدا في غار حراء، و التعبد لا يكون إلا بشريعة؛ لأن الحاكم هو الشرع عند أهل الحق، و على مذهب المعتزلة (القائلين بحكم العقل) الأمر أظهر؛ إذ العبادة لا تتوقف على هذا التقدير على شريعة.
[رضاعه]:
و أرضعته أمه سبعة أيام، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية بلبن ابنها مسروح، و كانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، و كان أسنّ من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأربع سنين علي الصحيح، و قيل بسنتين، فهو عمه من النسب، و أخوه من الرضاع، و أمه بنت عم أمه؛ لأن حمزة أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، و آمنة هى بنت وهب بن عبد مناف، و كان عبد المطلب تزوج هالة أم حمزة بعد نحر الإبل فداء لعبد الله قبل عام الفيل بخمس سنين، فلم يكن حمزة داخلا في القرعة، فلا يبعد كون حمزة أسن من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأربع سنين و أنه أرضعته ثويبة قبله لجواز أن تكون أرضعت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في اخر رضاع ابنها، و أرضعت حمزة فى أوله، و أما على القول بأن حمزة رضى الله تعالى عنه أسن من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسنتين، فلا إشكال في الرضاع. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبعث إلى ثويبة من المدينة بصلة و كسوة. و اختلف في إسلامها، و أثبته ابن منده.
و كذلك أرضعته ثويبة مع أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى القرشى المخزومى زوج أم سلمة، أسلم بعد عشرة أنفس، و هاجر مع امرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، و هو أوّل من هاجر إليها و شهد بدرا و استخلفه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المدينة فى غزوة العشيرة، و توفى سنة ثلاث من الهجرة، و قال لما احتضر: «اللهم اخلفنى في أهلى بخير»، فخلفه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على زوجه أم سلمة رضى الله