نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٣٥ - الرابع ما
و لقد أجاد القائل:
الأمر أعظم من مقالة قائل * * * إن رقّق البلغاء أو إن أفحموا
ما ذا يقول المادحون و مدحه * * * حقّا به نطق الكتاب المحكم
و يحكى أن العارف الكبير أبا حفص عمر بن الفارض (رحمه الله تعالى) قيل له: لم لا مدحت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟! فأنشد قائلا:
أري كلّ مدح في النبيّ مقصّرا * * * و إن بالغ المثني عليه و أكثرا
إذا الله أثني بالذي هو أهله * * * عليه، فما مقدار ما يمدح الوري؟
فمن تمام الإيمان به (صلّى اللّه عليه و سلّم): اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن ادمى من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه الشريف (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيكون ما يشاهد من محاسنه الظاهرة علامة على محاسنه الباطنة، و لا أكمل منه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا مساو له في هذا المدلول، فكذلك في الدّالّ، و لذا نقل القرطبى عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا في الدنيا تمام حسنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إلا لما طاقت أعين الصحابة النظر إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [١] فإذا كان في الآخرة ظهر تمام ذلك، و لذا قال صاحب البردة:
فهو الذي تمّ معناه و صورته * * * ثم اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
منزّه عن شريك في محاسنه * * * فجوهر الحسن فيه غير منقسم
و قد جمع الله له (صلّى اللّه عليه و سلّم) محاسن السير و أحاسن السياسة و الخبر، مع أنه أمّيّ لا يكتب و لا يقرأ، و لا معلّم له من البشر، نشأ بين جهّال، يتيما من أبويه، فعلّمه الله مكارم الأخلاق، و جعل له من أكارم الآداب أوفر خلاق.
و ما أحسن قول القائل:
أخذ الإله أبا الرسول و لم يزل * * * برسوله الفرد اليتيم رحيما
نفسي الفداء لمفرد في يتمه * * * و الدرّ أحسن ما يكون يتيما
[١] و لذا ثبت عن عمرو بن العاص و غيره أنه ما كان يستطيع أن يثبت نظره في وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ قال: «و الله ما ملأت عينى من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قط».