نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٣٤ - الرابع ما
فقد أطلعه الله على ما شاء من المغيّبات، فوقعت على وفق إخباره بها فيما مضى و ما هو ات، و استأثر سبحانه دون جميع الخلق بعلم أمور منها: مفاتح الغيب الخمس [١]. و لقد قبض النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما يعلم الروح، و قال الجنيد: الروح مما استأثر الله بعلمه و لم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود، و ثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أى لا يعيّن المراد به فى الآية [٢].
و قد اختلف في مسألة اشتهرت بالديار المغربية، نشر الله بها أعلام السنة المحمدية، و هي: هل أحاط رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعلم الله كما أحاط الحقّ بعلمه أو لا؟
فأجاب عن ذلك بعضهم بقوله: لا يصح ذلك، بل الّذي ينبغى اعتقاده أن الله أعلم رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما لم يعلمه أحدا من الخلق، و حاشا سيد الأحباب أن يرضى من أمته أن يسوّوا بينه في العلم و بين رب الأرباب، و من المحال أن يلحق العبد مرتبة السيد على كل حال، فاحذر الغلط، و إياك من ركوب التعاسيف و الشّطط [٣]. ا ه.
و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لا تطرونى كما أطرى عيسى» أى لا تبالغوا في مدحى، و في معنى الحديث قال البوصيري:
دع ما ادّعته النصارى في نبيّهم * * * و احكم بما شئت مدحا فيه و احتكم
فإنّ فضل رسول الله ليس له * * * حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
[١] قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤]
[٢] و قال بعض المفسرين في قوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥] أى كانت بكلمة «كن» و هذا يعنى أنها سر غامض لا يعلمه إلا الله تعالى، و القول فيها تهجّم على الله تعالى.
[٣] لو علم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) علم الله لكان علم الله تعالى محدودا، و لكان الله تعالى محدودا؛ و اعتقاد هذا صريح الكفر و العياذ بالله!