نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٣١ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
و قال بعضهم: يقال لمن يؤمر بالصبر: «اربط على قلبك حجرا»، فكان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يؤمر بالصبر و يأمر أمته بالصبر، حالا و مالا.
و في كتاب السنن لسعيد بن منصور من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن عمرو أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «اللهم من أبغضنى و عصاني، فأكثر له المال و الولد».
اللهم من أحبنى و أطاعنى فارزقه الكفاف.
اللهم ارزق آل محمد الكفاف.
اللهمّ رزق يوم بيوم».
و يناسبه ما أورده السلفى أن يهوديّا أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ادع لي» فقال «اللهم أصحّ جسمه، و أكثر ماله، و أطل حياته» [١].
و ورد في الجامع الصغير: «إنّ الله إذا أحبّ عبدا جعل رزقه كفافا» ا ه. قال العزيزي: أي بقدر كفايته، لا يزيد عليها فيطغيه، و لا ينقص عنها فيؤذيه؛ فإن الغنى مبطرة و الفقر مذلة.
و أما اقتناعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) باليسير و سؤاله ربه أن يجعل رزقه قوتا، ففى حديث ابن عباس رضى الله عنهما: «كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبيت الليالى المتتابعة طاويا و أهله لا يجدون عشاء، فكان عامة خبزهم الشعير».
و قد خيّره الله بين أن يكون نبيا ملكا و أن يكون نبيا عبدا، فقال: بل نبيا عبدا «ثلاثا». فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه خزائن الأرض فأعرض عنها و أباها، مع أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لو أخذها لم ينفقها إلا في طاعة ربه، لكنه اختار العبودية المحضة، فيا لها من همّة شريفة رفيعة، ما أسناها، و نفس زكية كريمة ما أزكاها.
و قال البدر الزركشي: «لم يكن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقيرا من المال قط، و لا حاله حال فقير»، بل كان أغنى الناس، قد كفى أمر دنياه في نفسه و عياله. و كان يقول في
[١] لأن اليهود لا يحبون إلا ذلك، فدعا لهم بما يحبون: إن هم إلا كالأنعام.