نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٩ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
(صلّى اللّه عليه و سلّم) «و عليّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك، فقال: «قد علمت، و لكني أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه»، و قام فجمع الحطب.
و كان أرحم الناس؛ يصغى الإناء للهرة [١]، و ما يرفعه حتّى تروى رحمة لها، و أعفّهم و أشدّهم إكراما لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، و يوسّع لهم إذا ضاق المكان، و لم تكن ركبتاه تتقدّمان جليسه، يبدأ من لقيه بالسلام، و يتجمّل لأصحابه، و يتفقدهم و يسأل عنهم، فمن مرض عاده، و من غاب دعا له، و من مات استرجع [٢] فيه، و أتبعه الدعاء له.
و كان (عليه الصلاة و السلام) تنام عيناه و لا ينام قلبه انتظارا للوحي [٣]، و إذا نام نفخ و لا يغطّ.
و كان لا يأكل الصدقة، و يأكل الهدية، و يكافئ عليها، و أكل الخبز بالخل، و قال: «نعم الإدام الخل». و كان من جالسه أو أقامه لحاجة صابره حتّى يكون الرجل هو المنصرف، و ما جلس إليه أحد فقام حتّى يقوم الرجل، و ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم [٤] فيكون أبعد الناس منه، و كان يداعب أصحابه و لا يقول في مداعبته إلا حقّا [٥]، و كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبى مما يعلم من شدّة وجد أمّ الصبى بولدها.
و باع و اشترى بنقد و نسيئة، و الأغلب بعد البعثة الشراء، و بعد الهجرة لم يحفظ البيع إلا في ثلاث صور، و أجّر و استأجر و هو الأغلب، و اجر نفسه قبل النبوّة
[١] يميلها لتشرب.
[٢] قال: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون»
[٣] قلوب الأنبياء أكبر من قلوب العارفين، و لذلك لا تنام؛ لأنها علي صفة الملائكة، يسبّحون الله الليل و النهار، لا يفترون، و كذلك قلب النبي [لا ينام لأنه علي ذكر مستمر، و الله تعالى أعلم]، و الّذي ينام: الغافل اللاهي.
[٤] فى الأصل «إلا أن يكون فيه قطيعة رحم».
[٥] قال مرّة لأحد أصحابه: «يا ذا الأذنين» رواه أحمد، و أبو داود، و الترمذي عن أنس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال له ذلك- يعنى يمازحه- و جاءه رجل يستحمله فقال: إنى حاملك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: و هل تلد الإبل إلا النوق؟!