نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٨ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
أحلم الناس و أشجعهم، و أسخاهم، لم يسأله أحد شيئا إلا أعطاه، و من سأله حاجة لا يرده إلا بها أو بميسور حسن من القول، لا بمعسور خشن، فكان أجود بنى آدم على الإطلاق، يجود بجميع أنواع الجود، من بذل العلم، و المال، و بذل نفسه لله فى إظهار دينه، و هداية عباده، و إيصال النفع العميم بكل طريق من: إطعام جائعهم و وعظ جهّالهم، و قضاء حوائجهم، و تحمّل أثقالهم، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، و كان إذا دخل رمضان أطلق كلّ أسير، و أعطى كلّ سائل، و إنما كان جوده يضاعف في شهر رمضان زيادة على جوده في غيره من الشهور؛ لأن جود ربه يتضاعف فيه، و قد جبل (صلّى اللّه عليه و سلّم) على حب ما يحبه الله، و لأنه كان يلتقى هو و جبريل (عليه السلام) في رمضان، و هو أفضل الملائكة و أكرمهم، و يدارسه الكتاب الذي أوتى إليه، و هو أشرف الكتب و أفضلها، و هو يحثّ علي الإحسان و مكارم الأخلاق. و في مسلم قال: «ما سئل (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيئا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة». و عن صفوان بن أمية قال: «لقد أعطانى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما أعطاني، و إنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطينى حتّى إنه لأحبّ الناس إليّ». و في مغازى الواقدي أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطى صفوان واديا مملوا إبلا و غنما، فقال: «أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي»، و لذلك قالت له خديجة رضى الله عنها في أوّل بعثته حين رجع من غار حراء، بعد ما حصل من جبريل ما حصل، لما أمره بالقراءة: «و الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، و تقرى الضيف، و تحمل الكلّ (أى الشيء الّذي يحصل منه التعب لغيرك)، و تكسب المعدوم (أى تعطيه له تبرعا منك)، و تعين على نوائب الدهر (أى حوادثه)».
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكثر الناس تواضعا، يجيب من دعاه من غنيّ أو فقير أو حرّ أو عبد.
و كان (عليه الصلاة و السلام) في سفر، فأمر بإصلاح شاة [١] فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، و قال اخر: و عليّ سلخها، و قال اخر: و عليّ طبخها، فقال
[١] أى ذبحه للطعام و الأكل.