نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٤ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
و يقال إنها خاطبته بقولها:
خذ العفو و أمر بعرف كما * * * أمرت و أعرض عن الجاهلين
و لن في الكلام لجمع الأنام * * * فمستحسن من ذوي الجاه لين
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يولّى من الناس خيارهم، و الّذي يليه منهم خيارهم، و كان أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة، و ما انتهر خادما و لا قال له في شيء صنعه لم صنعته؟ و لا في شيء تركه لم تركته؟ بل يقول «لو قدّر يكون»، و لا ضرب بيده أحدا إلا في الجهاد.
و لما قيل له ادع على الكفار، قال: «إنما بعثت رحمة، اللهمّ اهد قومى فإنهم لا يعلمون».
و كان عنده القريب و البعيد، و القوى و الضعيف في الحق سواء، و يؤلّف أصحابه و لا ينفّرهم، و لم يكن فحّاشا (من باب النسب [١]) أى و ليس بذى فحش أى لا يصدر عنه، و ليس من باب المبالغة حتّى تكون منفية لإشعاره ببقاء أصل الفحش، و هو ظاهر البطلان، فهو من باب قوله تعالى: وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] أى بذى ظلم، لا أن كثرة الظلم هى المنفية و أصل الظلم موجود؛ إذ هو مستحيل عليه تعالى. و لا لعّانا، و لا بخيلا، و لا جبانا، و لا سخّابا في الأسواق (بالسين المهملة و الخاء المعجمة و هو لغة ربيعة) و السخب هو: رفع الصوت، أى لا كثيره و لا قليله، و المراد نفيه مطلقا. و المعنى وصفه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأنه ليس عنده رغبة فى الدنيا و تحصيلها، بحيث يصرف زمانه في تحصيلها بالجدّ في ذلك و الإكثار منه في الأسواق، فلا ينافى أنه (عليه الصلاة و السلام) تجر لخديجة رضى الله عنها [٢] فكيف يكون ذلك، و قد قال (عليه الصلاة و السلام): «اتّقوا الله و أجملوا في طلب الدنيا فإنّ كلّا ميسر لما خلق له [٣]» و لا يواجه أحدا بما يكره، يكرم أهل
[١] أى لا ينسب إلى الفحش، فقد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن الله لا يحب كل فاحش متفحش».
[٢] هذا قبل (الرسالة) أما بعدها فمما أفاء الله عليه.
[٣] رواية ابن ماجه و الطبراني و الحاكم، و البيهقى و لفظها: «أجملوا في طلب الدنيا؛ فإن كلّا ميسر لما كتب له منها». كذا في الفتح الكبير، و قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كلّ ميسر لما خلق له» رواه أحمد و أبو داود و الترمذي.