نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤١٤ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
المدينة مسافة القصر، و الصحيح من مذهب الشافعى اعتبار اختلاف المطالع، و الله أعلم. ا ه [١].
و لما توفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ترتب على وفاته ارتداد أكثر العرب، كبنى حنيفة، إلا أن أهل المدينة و مكة و الطائف لم تدخلهم الردّة، و كان عامل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على مكة عتّاب بن أسيد، فاستخفى خوفا على نفسه، فارتجت مكة و كاد أهلها يرتدّون، فقام سهيل بن عمرو علي باب الكعبة و صاح بقريش و غيرهم، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا أهل مكة كنتم اخر من أسلم، فلا تكونوا أول من ارتد، و الله ليتمّنّ الله هذا الأمر كما قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)». فامتنع أهل مكة من الردة.
و سيأتى ما يتعلق بذلك في الفصل الأوّل من الباب الخامس.
قال ابن إسحاق: و لما توفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة- رضى الله عنها- فيما بلغنى تقول: «لما توفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ارتدت العرب و اشرأبت اليهودية و النصرانية، و نجم النفاق، فكان المسلمون كالغيم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حتى جمعهم الله علي أبى بكر» انتهي.
و قال أهل السير: خرج أبو بكر- رضى الله عنه- إلى الناس و هم في المسجد يموجون، فخطبهم و ثبتهم، و نعى لهم سيد الأولين و الآخرين، و قرأ عليهم الآيات التى تناسب ذلك، و منها: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ و هذا استفهام إنكار وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
[١] أخرج مسلم في صحيحه عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنّ رجلا من اليهود قال: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى و رضيت لكم الإسلام دينا) قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم و المكان الّذي أنزلت فيه على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): و هو قائم يوم عرفة في يوم الجمعة».
و أخرج رزين في «تجريد الصحابة» أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم جمعة، و هو أفضل من سبعين حجة في غير حجة».
و حديث أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) وقف وقفة عرفة يوم جمعة، رواه أيضا البخارى و مسلم، و الإمام أحمد، و ابن جرير، و ابن مردويه، و الطبراني، و هو مروى عن سيدنا عمر، و الإمام علي، و معاوية ابن أبى سفيان، و عبد الله بن عباس و سمرة بن جندب.