نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤١٢ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
و رثاه جماعة، منهم صفية عمته رضى الله عنها بمراث كثيرة، و أبو سفيان ابن الحارث، و أبو بكر الصديق رضى الله عنه.
و توفاه الله و حصل له درجة الشهادة، فوق ما أعطاه الله من مراتب النبوة و زاده؛ لأنه لما سمّته اليهودية في الشاة استمر ذلك السم حتّى قال في مرضه:
«الآن انقطع أبهري» يعنى من ذلك السم، و الأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة.
و كانت وفاته يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأوّل، حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، و قيل: حين اشتد الضحي، كالوقت الّذي دخل فيه إلى المدينة.
و عن ابن عباس: ولد (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين، و استنبئ يوم الاثنين، و خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، و دخل المدينة يوم الاثنين، و وضع الحجر يوم الاثنين، و قبض يوم الاثنين، و دفن ليلة الأربعاء، و كانت ليلة مظلمة لفقده و انقطاع الوحي، عكس دخوله إليها في الهجرة.
قال أنس: «لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه أظلم منها كل شيء».
و لم أخّر دفنه؟ و قد قال (عليه الصلاة و السلام) لأهل بيت أخّروا دفن ميتهم:
«عجّلوا دفن ميتكم و لا تؤخّروه» [١].
فالجواب: أخّروه للاختلاف في دفنه، أو للاشتغال بأمر البيعة؛ ليكون لهم إمام يرجعون إليه، و هو أهم الأمور، حتى استقر الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنظروا في دفنه فغسّلوه و كفّنوه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تزينت الجنان بقدوم روحه الكريمة.
[١] و أخرج أحمد و الترمذي قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ثلاث لا يؤخّرن: الصلاة إذا أتت، و الجنازة إذا حضرت، و الأيم إذا وجدت كفؤا».