نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٩ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
فصلّوا بغير إمام إرسالا (أى قطائع) [١].
و قال الشافعي: و ذلك لعظم أمره و تنافسهم في ألا يتولى الإمامة أحد في الصلاة عليه، و قيل: أوصى به. و قال السهيلي: وجه الفقه فيه أنّ الله افترض الصلاة عليه بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [٢] و حكم الصلاة التى تضمنتها الآية ألا تكون بإمام، و الصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الآية.
ثم صلّى عليه النساء بعد الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد بغير دعاء الجنازة المعروفة.
و فرش له في لحده قطيفة كان يلبسها و يفترشها، فقالوا: لا يلبسها أحد بعده، و هى كساء.
و اتخذوا له لحدا و نصبت عليه تسع لبنات، و جعلوه مسنّما، و هذا لا يعارض مذهب العلماء في كراهة وضع فراش تحت الميت؛ لأنّ كلامهم في غير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ممن يتغير و يبلي. و حكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء، و من ألحق بهم:
التكريم، قال الله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩]. و الأنبياء أجلّ و أعظم من ذلك، و الراجح أن حياة الشهداء بالجسد لا بالروح فقط، و لا يقدح في ذلك عدم الشعور من الحي، و أعظم دليل علي ذلك أن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات: المؤمن و الكافر بالإجماع، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستوى هو و غيره، و لم يحصل له تمييز على غيره، و لم يكن لقوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ [٣] معنى، و قال ابن جرير في تفسيره وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ أى لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، فظاهره أنّ رزق الشهداء بالأكل و الشرب في البرزخ، ليس للاحتياج، بل للإكرام و التنعيم. و ورد «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» [٤] قال العلامة القرطبى في التذكرة: إن
[١] جماعات.
[٢] سورة الأحزاب الآية ٥٦.
[٣] البقرة: ١٥٤.
[٤] رواه ابن ماجه.