نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٨ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
بالماء. و غسله عليّ و العباس و ابناه الفضل و قثم، و أسامة بن زيد و شقران مولياه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكان العباس و ابناه يقلبونه، و أسامة و شقران يصبان الماء، و عليّ يغسله، و نفضه عليّ فلم ينزل منه شيء فقال: «بأبى أنت و أمى ما أطيبك حيا و ميتا» و أعينهم معصوبة، لحديث على «لا يغسلنى إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه». و غسل (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بئر عرس (بفتح العين المهملة و سكون الراء فسين مهملة) بوصية منه، كان يشرب منها، و كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (بفتح السين و ضمّها، و الفتح أشهر، فالفتح منسوب إلى السحول، و هو القصّار، لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلى «سحول»، و هى بلدة باليمن، و أما بالضم فهو جمع سحل، و هو الثوب الأبيض النقي، و لا يكون إلا من قطن) ليس فيها قميص و لا عمامة، بل لفائف من غير خياطة، و برد حبرة أدرج فيها إدراجا، و فرغ من جهازه يوم الثلاثاء، و وضع على سريره، و صلّى عليه المسلمون صفوفا؛ لا يؤمّهم أحد، و كان أبو بكر و عمر في الصف الأوّل، الّذي حيال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالا: «اللهم إنّا نشهد أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد بلّغ ما أنزل إليه، و نصح لأمته، و جاهد في سبيل الله حتّى أعزّ الله دينه، و تمت كلمته، فاجعلنا إلهنا ممّن تبع القول الّذي أنزل معه، و اجمع بيننا و بينه حتّى تعرّفه بنا و تعرّفنا به؛ فإنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، لا نبتغى بالإيمان به بدلا، و لا نشترى به ثمنا أبدا»، فيقول الناس:
امين، امين. و هذا يدل على أن المراد بالصلاة عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم): الدعاء، لا الصلاة على الجنازة المعروفة عندهم. و الصحيح أن هذا الدعاء كان ضمن الصلاة المعروفة التي بأربع تكبيرات، فقد جاء أن أبا بكر- رضى الله عنه- دخل عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكبّر أربع تكبيرات، ثم دخل عمر- (رضي الله عنه)- فكبّر أربعا، ثم دخل عثمان- رضى الله عنه- فكبّر أربعا، ثم دخل طلحة بن عبيد الله، و الزبير بن العوام- رضى الله عنهما- ثم تتابع الناس إرسالا، يكبّرون عليه، أى و علي هذا إنما خصّوا الدعاء بالذكر؛ لأنه الّذي يليق به (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و من ثمّ استشاروا كيف يدعون له، فأشير بمثل ذلك.
و روى البيهقى عن ابن عباس: لما صلّى علي المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أدخل الرجال