نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٩٣ - الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه
العاقب عبد المسيح (من كندة) و أسقفهم أبو حارثة بن بكر بن وائل، و السيد (الأيهم)، و جادلوا عن دينهم، فنزل صدر سورة آل عمران، و أية المباهلة، فقال لهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم المباهلة عن أمر ربه ... تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [١] فقال عبد المسيح لقومه: «لا تباهلوا محمدا؛ فإني أرى معه وجوها [٢] لو أقسمت علي الله أن يزيل الجبال لأزالها، فتهلكوا إلى اخر الأبد».
فأبوا المباهلة و أشفقوا منها، و سألوا الصلح، و كتب لهم به علي ألف حلة في صفر، و ألف في رجب، و علي دروع و رماح و خيل، و حمل ثلاثين من كل صنف، و طلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، ثم جاء العاقب و السيد و أسلما، و قد أشار إلى ذلك الصفيّ الحلّى في بديعيته، فى مبحث العنوان، حيث قال مشيرا إلى هذه القصة:
و العاقب الحبر من نجران، إنّ له * * * يوم التباهل عقبي زلّة القدم
و المباهلة: الملاعنة، قال جرير:
لو أنّ تغلب جمعت أحسابها * * * يوم التّباهل لم تزن مثقالا
و هذا البيت من النزاهة (نوع من الهجاء)، و هى عبارة عن الإتيان بألفاظ غير سخيفة تكون من أحسن الهجاء الّذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يعدّ من مثلها قبيحا.
و هذه الواقعة مما يدل دلالة قطعية على نبوّته (صلّى اللّه عليه و سلّم) من وجهين: أحدهما أنه خوّفهم بنزول العذاب عليهم لوثوقه بذلك، و إلّا لأفحم إذا لم ينزل العذاب عليهم، و ثانيهما أنّ تركهم مباهلته يدل على أنهم عرفوا من التوراة و الإنجيل ما يفيد نبوته، و إلا لما أحجموا عن مباهلته، و يدل على تيقنهم هذا أنه قد نقل عنهم أنهم
[١] آل عمران: ٦١.
[٢] جمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا، و فاطمة، و الحسن، و الحسين و قدّمهم أمامه، و جمعهم في كساء، و قال:
«اللهم إن هؤلاء أهل بيتي» فلما راهم العاقب رجع فزعا و قال ما قال.