نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨٦ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
شهادة ساقها الله»، و أوصى أن يدفن مع شهداء المسلمين، ثم قدم ابنه أبو المليح، و قارب [١] بن الأسود بن مسعود فأسلما، و ضيّق مالك بن عوف علي ثقيف، و استباح سرحهم، و قطع سابلتهم (أى سبيلهم)، و بلغهم رجوع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من تبوك، فوفدوا عليه فأسلموا، و سألوه أن يدع اللات التى كانوا يعبدونها لا يهدمها إلى ثلاث سنين، فأبي، فنزلوا إلى شهر فأبي، و سألوه أن يعفيهم من الصلاة، فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه». فأجابوا، و أرسل معهم المغيرة بن شعبة، و أبا سفيان بن حرب، فهدما اللات، و خرج نساء ثقيف حسرى يبكين عليها.
و فيها بعث أبا بكر رضى الله عنه ليحج بالناس، و معه عشرون بدنة لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ثلاثمائة رجل، فلمّا كان بذى الحليفة أرسل عليّا رضى الله عنه في أثره و أمره بقراءة براءة، و آيات من أوّل سورة البقرة على الناس، و أن ينادى «أن لا يطوف بالبيت بعد السنة عريان» (أى مكشوف العورة كما كانت الجاهلية تفعل ذلك) و لا يحجّ مشرك.
و عن أبى هريرة قال: كنت مؤذّن عليّ (رضي الله عنه) حين بعثه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلي أهل مكة ببراءة، فناديت: ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة؛ و لا يحج بعد هذا العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان، و من كان بينه و بين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فإنّ الله بريء من المشركين و رسوله».
فعاد أبو بكر و قال: يا رسول الله هل نزل في شيء؟ قال: «لا، و لكن لا يؤدّى عنى غيرى أو إلا رجل من أهل بيتي)، ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معى في الغار؟ و صاحبى على الحوض؟» قال: بلي. فكان أبو بكر أميرا على الموسم، و عليّ يؤذن ببراءة [٢] يوم الأضحى؛ و ألا يحج مشرك و لا يطوف بالبيت عريان؛ فلم يحج في العام بعد الّذي حج فيه المصطفى حجة الوداع مشرك، و أنزل الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [٣].
[١] قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمر بن سعد بن عوف بن ثقيف (ابن أخي عروة بن مسعود) قدم على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخوه أبو المليح فأسلما قبل قدوم وفد ثقيف، له ترجمة وافية في الإصابة فانظرها هناك.
[٢] براءة: هى سورة التوبة، أذن ببراءة: أي يعلمهم بها و يقرؤها عليهم.
[٣] سورة التوبة: ٢٨.