نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨١ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه و يحلفون، و كانوا فوق الثمانين رجلا، فتقبّل منهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) علانيتهم و استغفر لهم، و وكل سرائرهم إلى الله تعالى.
ثم جاءه كعب بن مالك، و كان قد تقدّمه مرارة بن الربيع، و هلال بن أمية، فسألهم عن سبب تخلفهم، فاعترفوا ألا عذر لهم، فأمرهم بالمضيّ حتّى يقضى الله فيهم، و نهى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن كلامهم من بين من تخلف عنه، فاجتنبهم الناس، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلبثوا علي ذلك خمسين ليلة، و لما مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) باعتزال نسائهم، و جاءت امرأة هلال إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لتستأذنه في خدمة هلال، فأذن لها من غير أن يقربها.
فلما مضت خمسون ليلة من حين النهى عن كلامهم نزلت توبتهم، فأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بتوبة الله عليهم، و ذهب الناس يبشرونهم، و جاء كعب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو [١] يبرق وجهه من السرور، فقال له (صلّى اللّه عليه و سلّم): أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، فقال: أ من عندك يا رسول الله أم من عند الله عز و جل؟ فقال: بل من عند الله عز و جل. و أنزل الله على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ [التوبة: ١١٧] إلى قوله تعالى: وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]. قال كعب: فو الله ما أنعم الله عليّ نعمة قط بعد أن هدانى للإسلام أعظم في نفسى من صدقى لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أن أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي:
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ٩٦] إلى قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥].
و أما ما ورد «هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام حرام» [٢] محلّه إذا كان لحظوظ
[١] الضمير يرجع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[٢] و رواية مسلم عن ابن عمر: «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام». و روى ابن نافع (رحمه الله) قوله (عليه الصلاة و السلام): «هجر المسلم كسفك دمه». و روى الإمام أحمد و البخارى و مسلم و أبو داود و الترمذي: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيصد هذا و يصد هذا، و خيرهما الّذي يبدأ بالسلام» و في رواية ... «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث، فليأته فليسلّم عليه، فإن ردّ السلام فقد اشتركا في الأجر، و إن لم يردّ السلام فقد باء بالإثم» رواه أبو داود. و في رواية: «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار».