نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨٠ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
و سار (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى تبوك، و استخلف عليّا رضى الله عنه على المدينة، و على عياله، فقال علي: أ تخلفني في الصبيان و النساء؟! قال: «ألا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبيّ بعدي» [١]. و ليس المراد من هذا الحديث أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلى من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إلا لما صحّ الاستثناء [كما تزعم الشيعة و الرافضة] مستدلين به على استحقاقه الخلافة بعده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بل المراد أن عليّا خليفة عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مدة غيبته بتبوك، كما كان هارون خليفة عن موسى مدة غيبته للمناجاة، و أما الاستثناء فمنقطع، و المعنى: لكنك لست نبيّا كهارون؛ لأنه لا نبى بعدي، و لئن سلم أن الحديث يعمّ المنازل كلّها فهو عام مخصوص؛ إذ من منازل هارون كونه أخا نبي [٢]، و العام المخصوص غير حجّة في الباقي، أو حجة ضعيفة على الخلاف [٣].
و كان مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثون ألفا، و كانت الخيل عشرة آلاف، و تخلّف عبد الله ابن أبيّ [المنافق] و من تبعه من أهل النفاق، و تخلف ثلاثة من الصحابة، و هم: كعب بن مالك، و مرارة بن الربيع، و هلال بن أمية، و لم يكن لهم عذر، ثم رجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، و كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم يجلس الناس، فلما فعل
[١] رواه مسلم و الترمذي عن سعد، و الترمذي عن جابر، و رواه أبو حاتم و ابن إسحاق، و الحافظ الدمشقى في معجمه بمعناه، و السلفى في النسخة الدمشقية.
[٢] و أيضا فإنه أرسل كما أرسل موسى صلّى الله على نبينا و عليه و سلّم.
[٣] بل هو حجة قوية؛ لأن عموم اللفظ أشمل من خصوص السبب، أما عن زيادة سيدنا هارون، فهى بالنسبة للرسالة، و هذا أمر لا يجادل فيه أحد، و باء التشبيه، أو كاف التشبيه في قوله:
«بمنزلة» أو «كمنزلة» تفيد وجه شبه ما، إلا أنه ليس تامّا، و من أوجه الشبه أنه أخوه، و إن كان ابن عمه؛ لأنه عاش معه عيشة الأخ الكامل الأخوة، و قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن الله جعل ذرية كل نبى في صلبه و جعل ذريتى في صلب علي» فيه إشارة واضحة على الاتحاد الكامل في الأصل، و الفرقة في الشخص فقط ... و لقد بلغ الأمر أن الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو الّذي سمّى حسنا و حسينا و محسنا، علي أسماء أولاد هارون (عليه الصلاة و السلام): «شبرا و شبيرا و مشبرا» و قال في الحسين رضى الله عنه: «فيه لثغة ورثها من عمه موسى» فمن أين يأتى الميراث إذا لم يكن هناك شبه يكاد يكون كاملا؟! و الله تعالى أعلم.