نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٦ - طهارة مولده و شرفه
الأصنام و شرّع الأحكام فبحّر البحيرة و سيّب السائبة و وصل الوصيلة و حمى الحام، و تبعته العرب في ذلك.
القسم الثالث من أهل الفترة: و هم من لم يشرك و لم يوحّد، و لا دخل في شريعة نبيّ و لا ابتكر لنفسه شريعة و لا اخترع دينا، بل بقى طول عمره على حال غفلة من هذا كله، و في الجاهلية من كان على ذلك.
و حيث انقسم أهل الفترة إلى ثلاثة أقسام، و قد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدل على تعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحيّ يجر قصبه في النار، [١] و نحو ذلك، فيحمل على القسم الثانى من أهل الفترة لكفرهم بما تعدّوا به من الخبائث؛ حيث أن الله سبحانه و تعالى سمى جميع هؤلاء من هذا القسم كفارا و مشركين، فإنّا نجد القرآن كلما حكى حال أحد منهم سجّل عليهم بالكفر و الشرك، كقوله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: ١٠٣] ثم قال: وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
و أما أهل القسم الأوّل كقس بن ساعدة و زيد بن عمرو بن نفيل، فقد قال (عليه الصلاة و السلام) في كل منهما: «إنه يبعث أمّة واحده».
و أما عثمان بن الحويرث و تبّع و قومه و أهل نجران: فحكمهم كحكم أهل الدين الّذي دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم بالإسلام الناسخ لكل دين.
و أما أهل القسم الثالث الذين هم أهل الفترة حقيقة، فهم غير معذبين، و قال الجلال السيوطي [٢]: إن أبوى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانا على التوحيد و دين إبراهيم، كما كان كذلك طائفة من العرب، كزيد بن عمرو بن نفيل، كما يدل عليه قوله:
أ ربّا واحدا أم ألف ربّ * * * أدين إذا تقسّمت الأمور
تركت اللات و العزّى جميعا * * * كذلك يفعل الرجل البصير
[١] و رواية مسلم: «رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف بن كعب و هو يجر قصبه في النار» و رواه الدار قطنى في الأفراد.
[٢] له في ذلك رسالة خاصة اسمها «الفوائد الكامنة في إيمان السيدة آمنة» و له كذلك «التعظيم و المنة فى أن أبوى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الجنة».