نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٤١ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
بلغهم أنهم عادوا له بالشرّ، فرجعوا إلى الحبشة، و لم يدخل أحد منهم مكة إلا ابن مسعود فإنه دخل ثم خرج و معه عدد كثير من المسلمين، و هذه هى الهجرة الثانية كما سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى في الهجرتين إلى الحبشة من الباب الثانى، و قد سبق أن المهاجرين يزيدون على مائة نفس. أحسن النجاشىّ جوارهم، و مكثوا آمنين على دينهم، يعبدون الله كما يحبون، فلما هاجر (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة جمعت قريش مالا من كل ما يستطرف من متاع مكة، و أهدوه إلى النجاشى و بطارقته جميعا، و بعثوا به عمرو بن العاص و عمارة بن أبى معيط، فقدما على النجاشى و المهاجرون عنده بخير دار و أحسن جوار، فلما دخلا عليه سجدا له و قرّبا هداياهم إليه، فقبلها منهما، و قالا له: إن قومنا يحذرونك من هؤلاء الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل خرج فينا يزعم أنه رسول الله، و لم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، و قد كنا ضيّقنا عليهم فجاءوا إليك؛ ليفسدوا عليك دينك و ملكك فادفعهم إلينا لنكفيكهم. فغضب النجاشى عند ذلك، و قال: «و الله لا أسلمهم إليكما حيث اختارونى على من سواى، حتى أدعوهم و أسألهم عمّا يقولون، فإن وجدت أنهم على خلاف ما تقولون أحسنت جوارهم ما جاورونى». فأرسل إليهم ليجمعهم، فدخلوا عليه في مجلسه، و عمرو بن العاص عن يمينه و صاحبه عن يساره، و القسيسون و الرهبان جلوس عنده، فلما انتهوا إليه قالوا لهم: اسجدوا للملك، فلم يسجدوا له، فلما سألهم النجاشى عن ذلك قالوا: ما نسجد إلا للذى خلقك و ملّكك، و قد علّمنا نبيّنا الصادق تحية أهل الجنة، و هى: السلام. فعرف النجاشى أن ذلك حق، و أنه في التوراة و الإنجيل، فقال: اختاروا من يتكلم عنكم، فقال جعفر: أنا أستأذن و أتكلم. فأذن له فقال جعفر للنجاشى: سل هذين الرجلين (يعنى عمرا و صاحبه): أ عبيد نحن أم أحرار؟ فقالا: بل أحرار كرام، فقال جعفر: سلهما هل أهرقتا دماء بغير حق فيقتص منا؟ فقال عمرو: لا، و لا قطرة، فقال جعفر:
سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه؟ فقال النجاشى: إن كان قنطارا فعلىّ قضاؤه، فقال عمرو: و لا قيراط، فقال النجاشى: فما تطلبون منهم؟
قال عمرو: كنا و إياهم على دين واحد، و أمر واحد، على دين آبائنا، فتركوا ذلك و اتبعوا غيره، فبعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم لتدفعهم إلينا، فهم أعلم بما عابوا عليهم و عاينوه منهم. فقال النجاشى لجعفر و أصحابه: ما هذا الدين الّذي اتبعتموه و فارقتم فيه دين قومكم، فلم تدخلوا في