نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١ - طهارة مولده و شرفه
نمط واحد وفق شريعته، و لذلك قال الإمام السبكي: «إن الأنكحة الواقعة في نسبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كلها مستجمعة لشروط الصحة كأنكحة الإسلام، قال: فاعتقد هذا بقلبك و تمسّك به، و لا تزلّ عنه فتخسر».
و ما نقل عن أبى المنذر أنه قال: بلغنا أنّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكر العزّى يوما فقال: «لقد أهديت للعزّى شاة عفراء، و أنا علي دين قومي» فكذب على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و افتراء عليه؛ حيث قد أطبق الإجماع على أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يتدنس هو و لا آباؤه مما كانت عليه الجاهلية، و ما أقبح من يروم التصنيف و يجعل في مصنفه مثل هذا الكذب القبيح، فإنه ينادى على نفسه بعدم المعرفة و الاتصاف بالجهالة و السفه، و لم يكن شيء مثل ذلك إلا لكفار قريش، حيث كانوا يطوفون بالكعبة و يقولون: و اللات و العزّى و مناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجي، و لم يثبت شيء من ذلك في حق أحد من آبائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على عمود النسب. و قد فسر العلماء قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] أى يرى تقلبك و أنت نور في أظهر الساجدين، بمعنى في أصلاب و أرحام المؤمنين من لدن آدم و حواء إلى عبد الله و آمنة، فعلى هذا جميع أصوله- رجالا و نساء- مؤمنون.
ثم أورد على هذا ازر أبو إبراهيم فإنه على دين قومه بمقتضى الآيات!؟
و أجابوا عنه بجوابين:
أحدهما: أنه كان عم إبراهيم لا أباه، و تسميته أبا علي عادة العرب من تسمية العم أبا.
و ثانيهما: أن آباءه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يدخلهم الشرك ذكورا و إناثا ما دام النور المحمدى في الذكر و الأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد الله و غيره، و ازر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم (عليه السلام)، و أما قبل فلم يعبد غير الله، و هذا الجواب الثانى المفيد لتنزه النور المحمدى عن أن يكون قد حلّ فى أصل غير طاهر ما دام ساكنا فيه، فهو و إن استحسنه بعض العلماء إلا أنه لا يخلو من إخلال بالنسب؛ إذ كيف يسكن النور المحمدى في صلب طاهر و رحم نقي، ثم يخبث الأصل بانتقال النور، فهذا مما لا يليق بلفظ «الساجدين» الّذي عبر به عن المؤمنين بكمال البلاغة في التجوّز عن (المؤمنين) إلى (المصلين)،