نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٨٦ - غزوة بنى النضير
غيرها، فأبى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فعاد نباش إليهم بذلك، ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن ابعث إلينا أبا لبابة، و هو رفاعة بن المنذر، لنستشيره في أمرنا؛ لأنه كان من حلفاء الأوس و بنو قريظة (منهم) [١] و كان مناصحا لهم؛ لأن ماله و ولده و عياله كانت في بنى قريظة، فأرسله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال و أسرع إليه النساء و الصبيان يبكون فى وجهه من شدّة المحاصرة و تشتيت مالهم، و قام كعب بن أسيد، فقال لأبى لبابة: قد عرفت ما بيننا، و قد اشتد علينا الحصار و هلكنا، و محمد لا يفارق حصننا حتّى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بالشام أو خيبر، و لم نطأ له أرضا، و لم نكثر عليه جمعا أبدا، ما تري؟ قد اخترناك على غيرك، أ ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم فانزلوا، و أشار بيده إلى حلقه إشارة إلى الذبح، و معناه لا تفعلوا لئلا يذبحكم، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماى من مكانهما حتّى عرفت أنى خنت الله و رسوله؛ لأن في قولى تنفيرا لهم عن الانقياد له (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و من ثم أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ [الأنفال: ٢٧] الآية، و قيل: (و هذا أثبت) [٢] أنه نزل في ذلك: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً [التوبة: ١٠٢]، و سالت عين أبى لبابة بالدموع، و انطلق على وجهه، فلم يأت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ربط نفسه إلى عمود بالمسجد يقال له:
«اسطوانة التوبة» كان أكثر نفله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عنده، و قال: و الله لا أذوق طعاما و لا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ مما صنعت. و عاهد الله ألا يطأ أرض بنى قريظة أبدا و لا يرى في بلد خان الله و رسوله فيه أبدا. فلما بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبره، و كان قد استبطأه، قال: أما لو جاءنى لاستغفرت له، و أما بعد أن فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه حتّى يتوب الله عليه، فنزلت توبته، فتولى النبي إطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحلّ إلا للصلاة.
ثم إن بنى قريظة نزلوا على حكم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأمر بهم فكتّفوا و جعلوا ناحية بين الستمائة و السبعمائة، و أخرج النساء و الذرارى من الحصون، و جعلوا
[١] فى الأصل «و بنو قريظة من الأوس» و هو خطأ؛ لأن بنى قريظة كانوا من حلفاء الأوس، لا من الأوس.
[٢] فى الأصل (و هو أولا أثبت) أصلحناه من السيرة الحلبية.