نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٨ - طهارة مولده و شرفه
و لا يعارض هذا ما في الحديث «أنه جاءه رجل فقال له: أنت سيد قريش، فقال:
السيد الله» [١] أى هو الله الّذي يحق له السيادة، إذ هو محمول على أنه كره أن يحمد في وجهه، و أحبّ التواضع، و كذلك ما روي عنه (عليه الصلاة و السلام) «لا تفضّلونى على يونس بن متّى» [٢] أى تفضيلا يؤدى إلى تنقيصه، و إلا فهو (صلّى اللّه عليه و سلّم) سيد ولد آدم على الإطلاق، و قد روى عن على رضى الله عنه قال: «سمعت حبيبى رسول الله» يقول: هبط عليّ جبريل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا؛ فسيد البشر آدم، و سيد ولد آدم أنت، و سيد الروم صهيب، و سيد فارس سلمان، و سيد الحبش بلال، و سيد الشجر السدر، و سيد الطير النسر، و سيد المشهور رمضان، و سيد الأيام يوم الجمعة، و سيد الكلام العربية، و سيد العربية القرآن، و سيد القرآن سورة البقرة» [٣].
[طهارة مولده و شرفه]:
و قد اختصه الله سبحانه و تعالى من أطيب العشائر نكاحا، و حماه من دنس الفواحش و السفاح [٤]، و نقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة بشهادة: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٩] فكان نور النبوة ظاهرا في آبائه لم يشركه في ولادته من أبويه أخ و لا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، و قصر
[١] رواه الإمام أحمد و أبو داود عبد الله بن الشخير.
[٢] و روى البخارى عن ابن مسعود أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يقولن أحدكم إنى خير من يونس بن متى» و يؤيد ما يقوله الشيخ من عدم المفاضلة المؤدية إلى التنقيص ما ورد في حديث صحيح، فيه طول «لا تفضلوا بين أنبياء الله ...».
[٣] و رواه الديلمى بلفظ «سيد الناس آدم، و سيد العرب محمد، و سيد الروم صهيب، و سيد الفرس سلمان، و سيد الحبشة بلال، و سيد الجبال طور سيناء، و سيد الشجر السدر، و سيد الأشهر المحرم، و سيد الأيام يوم الجمعة، و سيد الكلام القرآن، و سيد القرآن سورة البقرة، و سيد البقرة آية الكرسي:
أما إن فيها خمس كلمات في كل كلمة خمسون بركة».
[٤] روى ابن مردويه قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أنا أنفسكم نسبا و صهرا و حسبا» و روى ابن عساكر عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال:
«ما ولدتنى بغى قط منذ خرجت من صلب آدم، و لم تزل تتنازعنى الأمم كابرا عن كابر حتّى خرجت من أفضل حيّين في العرب: هاشم و زهرة». و قد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى اكتفينا منها بهذا، و الله ولى التوفيق، و هو حسبنا و نعم الوكيل.