نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٧٦ - غزوة بنى النضير
العمل، فأخبر بذلك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان و يجمع و ضوؤه فى ظرف و يغتسل سلمان بتلك الغسالة و يكفى الإناء خلف ظهره، ففعل، فنشط فى الحال كما ينشط البعير من العقال [١].
و هو أوّل مشهد شهده سلمان الفارسى مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و مكث (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عمل الخندق خمسة عشر يوما، و جعل النساء و الذرارى في الآطام، و على حصن بعض النساء حسان بن ثابت الأنصارى- رضى الله تعالى عنه- و كان من دأبه ألا يقتحم المخاوف؛ إما لمانع حسّي، كأن تكون يداه لا تطيقان حمل القناة و مسك عنان الجواد؛ لأنه كان معدّا للتحريض على القتال بحماس شعره الّذي هو أحدّ من آلات النضال، و كانت وظيفته هجاء المشركين و تأييد الدين، و مع ذلك لم ينسبه أحد من أعدائه إلى الجبن [٢]، و لم يهجه به، كما قلت:
حسّان كان هماما * * * بطعنة الشّعر يوجع
و كيف يجبن شهم * * * وسط الحروب يشجّع
فكان عليه مدار عظيم في الحروب و قوة الإسلام، و إن لم يخض في بحر المعامع، و لا كان له فيها اقتحام، و مما يدل على ذلك أنه في بعض الليالى و هو مع النساء اتفق أن يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن، فقالت صفية لحسان: لا آمن هذا اليهودى أن يدلّ على عورة الحصن، فيأتون إلينا، فانزل فاقتله. فقال حسان- رضى الله عنه-: يا بنت عبد المطلب قد عرفت ما أنا بصاحب هذا، (أى ليس دأبى الحرب). فلما أيست منه أخذت عمودا و نزلت ففتحت باب الحصن و أتته من خلف فضربته بالعمود حتّى قتلته و صعدت الحصن فقالت: يا حسان انزل إليه فاسلبه؛ فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. فقال: يا ابنة عبد
[١] هذا هو الدواء الصحيح للحسد، و هو حديث صحيح.
[٢] فى الواقع أن وضع جميع الشعراء هو هكذا: الشاعر يكون دائما خلف الرجال لأن صفته التشجيع، و أما وصف سيدنا حسان بالجبن فهو اتهام باطل و إن انتحلوا له الأسباب، و قد عاش سيدنا حسان عشرين و مائة عام منها ستون في الجاهلية و ستون في الإسلام، رضى الله عنه و أرضاه.