نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٦٧ - غزوة بنى النضير
و في الوفاء [١]: «الّذي عليه الأكثر: أن الصلاة نزلت بتمامها من بدء الأمر» و الله أعلم، و قد سبق التنويه إلى ذلك في مبعثه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و في هذه السنة الرابعة نزلت آية التيمم: و هى قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [المائدة: ٦]، قال في معالم التنزيل [٢]: «و كان بدء التيمم ما روى عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء و نزل الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أقام الناس معه، و ليسوا على ماء، و ليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بالناس معه؟! فجاء أبو بكر- رضى الله عنه- و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الناس و ليسوا على ماء و ليس معهم ماء! فقالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر، ثم قال ما شاء الله أن يقول، و جعل يطعننى بيده، فلا يمنعنى من التحرك إلّا مكان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على فخذي. فنام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى أصبح على غير ماء، فأنزل الله عز و جل آية التيمم، فتيمّموا، فقال أسيد بن حضير- و هو أحد النقباء و كان رئيسا في الجاهلية و الإسلام-: «ما هى بأوّل بركتكم يا آل أبى بكر». قالت عائشة: فبعثنا البعير الّذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، و قولها: فبعثنا البعير: أي أثرناه.
و التيمم من خصائص هذه الأمة لتسهل عليهم أسباب العبادة، و يدل على ذلك ما روى عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، و جعلت الأرض كلها لنا مسجدا، و جعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» أخرجه مسلم [٣].
[١] كتاب الوفاء بأحوال المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[٢] للبغوى الشافعى المعروف بالفراء.
[٣] و لفظه كاملا- كما في الفتح الكبير- «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، و جعلت لنا الأرض كلها مسجدا و تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء، و أعطيت هذه الآيات من اخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعطها نبى قبلي» رواه مسلم، و الإمام أحمد، و النسائى عن حذيفة.