نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٦٥ - غزوة بنى النضير
و قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظة استفهام [١]، و معناه الأمر، أى انتهوا، و هذا من أبلغ ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر و الميسر و أظهر قبحهما للمخاطبين، كأنه قيل: قد تلى عليكم فيها من أنواع الصوارف و الموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأنكم لم توعظوا، أ و لم تنزجروا؟
و في هذه الآية دليل على تحريم شرب الخمر؛ لأن الله تعالى قرن شرب الخمر و الميسر بعبادة الأصنام، و عدّد أنواع المفاسد الحاصلة بهما، و وعد بالفلاح عند اجتنابهما، و قال في اخر الآية: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ و معناه الأمر.
و قال بعضهم: الحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، و كان انتفاعهم به كثيرا، فعلم الله تعالى أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج و الرفق.
غزوة بنى النضير:
و سبب تلك الغزوة- على بنى النضير- أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذهب إليهم ليستعين بهم في دية رجلين من بنى كلاب بن ربيعة- موادعين له- كان عمرو بن أمية الضمرى قتلهما غلطا في رجوعه من بئر معونة، ظانا أنهما حربيان، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عقد لهما أمانا، و لم يشعر به ضمرة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد تعاهد مع بنى النضير على ترك القتال، و على أن يعينوه في الديات، فحضر إليهم، و كان معه من أصحابه جماعة دون العشرة، منهم أبو بكر، و عمر، و أسيد بن حضير، فأجلسوهم بجانب دار من بيوتهم، و أرادوا الغدر به (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أمروا أن يصعد رجل إلى الجدار و يلقى عليه رحيّ، فلما علم ذلك انصرف عنهم إلى المدينة حيث كان ذلك منهم نقضا للعهد، و أرسل إليهم أن اخرجوا من بلدي؛ لأن ضياعهم كانت من أعمال المدينة، فأبوا الخروج و أذنوا بالمحاربة، فتجهّز إليهم و غزاهم و حاصرهم في ربيع الأوّل، و بعد مضيّ ليال من الحصار سألوه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يجليهم
[١] الاستفهام هنا تقريع و زجر في غاية القوة، إذ معناه، و الله تعالى أعلم: هل أنتم منتهون أو أنزل عليكم الدواهى و القوارع، و لذلك لما سمعها عمر رضى الله عنه فزع منها و قال: انتهينا يا رب (ثلاث مرات).