نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٦٤ - الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
[النحل: ٦٧]، و كانت الخمر و الميسر مما يستطاب عندهم، بيّن الله في هذه الآية [١] أن الخمر و الميسر غير داخلين في جملة الطيبات و الحلال، بل هما من جملة المحرمات.
و روى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التى في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ الآية. فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال:
«اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا». فنزلت الآية التى في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فدعا عمر فقرئت عليه، فقال: قد انتهينا. أخرجه الترمذي من طريقين، و قال رواية عن أبى ميسرة: هذا أصح، و أخرجه أبو داود و النسائي.
و روى مصعب بن سعد عن أبيّ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا- و ذلك قبل أن تحرّم الخمر- حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار و قريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، فقال سعد بن أبى وقاص: المهاجرون خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي [٢] جمل فضرب رأس سعد فشجه شجة موضحة [٣]، فأتى سعد لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبره، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
و قال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى ثملوا و عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه و لحيته، فيقول: فعل بى هذا أخي فلان، و كانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله تحريم الخمر في هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
[١] المائدة: ٩٠، ٩١.
[٢] لحى جمل: أي عظمة.
[٣] أى أبدت العظم واضحا.