نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٠١ - هجرة بقايا المسلمين من مكة
المشهور عن مالك و أكثر أصحابه تفضيل المدينة، و قد رجع عن هذا القول أكثر المصنفين من المالكية، و استثنى القاضى عياض البقعة التى دفن فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض. و أنشد بعضهم:
جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما * * * قد حاط ذات المصطفي و حواها
و نعم لقد صدقوا بساكنها علت * * * كالنفس حين زكت زكا مأواها
و زاد بعضهم بعد هذين البيتين:
و بهذه ظهرت مزيّة طيبة * * * فغدت و كلّ الفضل في مغناها
حتّى لقد خصّت بروضة جنة * * * الله شرّفها بها و حباها
ما بين قبر للنبىّ و منبر * * * حيّا الإله رسوله و سقاها
و رجّح بعضهم المدينة؛ لأن ميل كل نفس حيث حلّ حبيبها [١] كما قال بعضهم:
عليّ لربع العامرية وقفة * * * ليملي عليّ الشوق و الدمع كاتب
و من مذهبي حبّ الديار لأهلها * * * و للناس فيما يعشقون مذاهب
و لما هاجر (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أكثر اليهود يستقبلون بيت المقدس، و أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، فرحت اليهود، فاستقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، و كان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو و ينظر إلى السماء، فنزلت الآية، قَدْ نَرى
[١] و لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال- فيما رواه ابن عساكر عن أبى سعيد: «الناس تبع لكم يا أهل المدينة في العلم» و بطبيعة الحال لا يكون التابع أفضل من المتبوع، ذلك لأن المدينة انتشر منها العلم و فتوحات الإسلام، و الله سمّاها الإيمان في قوله: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ.
على أن في مذهبى و عقيدتى أن المفاضلة بين مكة و المدينة متعذرة، فهذه فيها مولد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تلك فيها وفاته، و كلا البلدين حرم أمن. و قد قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المدينة: «إنها حرم أمن، إنها حرم أمن» رواه الإمام أحمد و مسلم عن سهل بن حنيف، و قال الله في مكة المشرفة:
أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] و ليس وراء المفاضلة ما يفيد الناس، و إن كان المتفق عليه من جميع أهل العلم أن البقعة التى ضمت جسد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هى أفضل بقعة في الأرض و السماء.