نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٢ - الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذهب ما يجده. و باتا في الغار، و أمر الله العنكبوت فنسجت على فم الغار، و أمر حمامتين فعشّشتا و باضتا. و ما أحسن ما قيل:
و خافت عليك العنكبوت من العدا * * * فأرخت بباب الغار مكرا بها سترا
و وافقها في الذّبّ عنك حمائم * * * أتين سراعا فابتنين به وكرا
فلمّا أتي الكفّار طرن خديعة * * * فحيّا الحيا [١]تلك الخديعة و المكرا
و أقبل فتيان قريش بسهامهم و سيوفهم، و معهم من يقصّ الأثر، حتّى انتهى إلى الغار فقال لهم: إلي هنا انتهى أثره، فما أدرى بعد ذلك أصعد إلى السماء أم غاص في الأرض! فقال لهم قائل: ادخلوا الغار، فقال أميّة بن خلف: ما تنظرون إلى الغار، و إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد؟ فسمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حديثهم، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهمّ اعم بصرهم» فجعلوا يترددون حول الغار، لا يرون أحدا، و يقولون: لو دخلا هذا الغار تكسّر بيض الحمام و تفسّخ بيت العنكبوت. فعلما أن الله تعالى حمي حماها بالحمام، و صرف عنهما كيد الأعداء بالعنكبوت، و لقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك.
روى ابن وهب أنّ حمام مكة أظلت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم فتحها، فدعا لها بالبركة.
و نهى عن قتل العنكبوت. و قال: «هى جند من جنود الله».
إلّا أن البيوت تطهّر من نسجها لأنه يورث الفقر [٢].
[١] حيّا من التحيّة، و الحيا: المطر و الخصب، و هو دعاء للعنكبوت و الحمامتين؛ لأنهما فعلا شيئا لم يفعله بنو آدم.
[٢] فى الأسلوب ركاكة، و لعل سقطا حدث في الكلام أوجب هذه الركاكة.
و أسند الثعلبى و ابن عطية عن الإمام على رضى الله عنه و كرّم الله وجهه أنه قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت؛ فإن تركه في البيت يورث الفقر».
و قد نسجت العنكبوت على الغار الّذي دخله «عبد الله بن أنيس» لما بعثه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى قتل خالد بن نبيح بالعرنة، فقتله و احتمل رأسه، و طارده الكفار، فدخل غارا، فنسجت عليه العنكبوت، و جاء الطلب فلم يجدوا شيئا، فرجعوا.
و نسجت على سيدنا داود (عليه الصلاة و السلام) حين طلبه عدوّ الله جالوت، و نسجت على عورة الإمام زيد بن علي بن الحسين، لما قتل، و صلبوه عريانا رضى الله عنه عام ١٢١ هجرية، لعن الله كل من اشترك في قتله و لو بحرف من كلمة.