نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٠ - التامر على الرسول
منها أنه تعالى أوجب قصدها للحج و العمرة الواجبين، و قصد المدينة سنّة، و إن فضّلت بإقامة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد النبوة فمكة أفضل؛ لأنه أقام بها ثلاث عشرة أو خمس عشرة، و بالمدينة عشرا، فإن فضّلت بكثرة الطارقين فمكة أفضل؛ لكثرة من طرقها من الأولياء و الصالحين و الأنبياء و المرسلين، فما من نبي إلا حجّها؛ و هى متبوّأ إبراهيم و إسماعيل، و مولد سيد المرسلين، و ليست المدينة كذلك، و إن ذهب إلي تفضيلها علي مكة الإمام مالك. و لو صحّ الحديث السابق فهو مجاز لوصف المكان بما يقع فيه، كبلد آمن، أو خائف، فوصف بأنه محبوب لما فيه مما يحبه الله من إقامة الرسول به إلي القيامة، و تكميل إرشاد الأمة و الدين به، و أحسن من هذا أن يكون المعنى: كما أخرجتنى من أحب البقاع إليّ في أمر معاشى فأسكنّى الأحب إليك في أمر معادي، و هو ظاهر؛ فإنه لم يزل في زيادة من دينه و بلوغ أمره إلى إلي أن تكامل، و بشّر بذلك في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... [المائدة: ٣] الآية.
و سيأتى قريبا بيان ذلك على وجه أوضح.
- ذهب الشافعي.
و زيادة أبى حاتم و غيره تردّ ما ذهبوا إليه من التأويل.
و ما احتجوا به من قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أخرجتنى من أحب البقاع إليّ فأسكنّى في أحب البقاع إليك» محمول على أنه أراد أحب البقاع بعد مكة، بدليل حديث النسائى و ابن حبان في فضل مكة، فإنه دلّ على أنه أحب أرض الله إلى الله، علي أن الحديث نفسه لا دلالة فيه؛ لأن قوله «فأسكنى في أحب البقاع»، هذا السياق يدل في العرف على أن المراد به بعد مكة؛ فإن الإنسان لا يسأل ما أخرج منه، فإن قوله «أخرجتني» «فأسكنى» يدل على إرادة غير المخرج منه، و تكون مكة مسكوتا عنها في الحديث» ا ه. بحروفه.
و نص حديث النسائى و ابن حبان، و أخرجه الترمذي أيضا، «و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلى الله و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت» و لكن في «الفتح الكبير» ورد هذا الحديث بلفظ: «و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إليّ، و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت» رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه و ابن حبان و الحاكم عن عبد الله بن عدى ابن الحمراء. و كلا الحديثين وارد و صحيح. و الله تعالى أعلم.