نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٨ - التامر على الرسول
نعم. فجهزت أسماء بنت أبى بكر و آل أبى بكر [١] جهاز السفر أحسن جهاز، و صنعن لهم [٢] سفرة (أى زادا في جراب)، و كان في السفرة أى في الزاد شاة مطبوخة، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب المشتمل علي الزاد، و أبقت الأخرى نطاقا لها، فبذلك سميت ذات النطاقين، كما روى في صحيح مسلم عن أسماء بنت أبى بكر الصدّيق زوّج الزبير بن العوام من كبار الصحابة، روي عنها ابناها عبد الله و عروة و جماعة، أسلمت قديما بمكة و هاجرت إلي المدينة، و توفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير سنة ثلاث أو أربع و سبعين، و قد جاوزت المائة.
و يروى أنها قالت للحجّاج: بلغنى أنك تعيّر ابنى عبد الله بن الزبير بابن ذات النطاقين! أنا و الله ذات النطاقين؛ أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و طعام أبى بكر الصديق رضى الله عنه، و أما الآخر فنطاق المرأة التى لا تستغنى عنه عند أشغالها.
و في حديث أم إسماعيل: «أول ما اتخذ الناس النّطق من قبل: أم اسماعيل اتخذت منطقا» المنطق: النطاق، و جمعه مناطق، و هو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشدّ وسطها بشيء و ترفع وسط ثوبها و ترسله علي الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها، و منه سميت أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنها «ذات النطاقين»؛ لأنها كانت تطارق نطاقا فوق نطاق، و قيل: كان لها نطاقان تلبس أحدهما و تجعل في الآخر الزاد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر و هما في الغار، و قيل: شقت نطاقها نصفين فاستعملت أحدهما و جعلت الآخر شدادا لزادهما.
[١] فى الأصل: «فجهز زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و غيرهن جهاز السفر» و هو خطأ فاحش، إذ لم يكن للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) زوجات في ذاك الوقت- فخديجة رضى الله عنها انتقلت إلي رضوان الله تبارك و تعالى قبل الهجرة بمدة، و لم يتزوج بأحد من زوجاته رضى الله عنهن إلا بعد الهجرة و الاستقرار بالمدينة، و لعل هذا من التحريف المطبعى أو سبق قلم، و جلّ من لا يسهو سبحانه و تعالى.
[٢] لأنهم كانوا أربعة: سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و سيدنا أبو بكر، و عامر بن فهيرة، مولى أبى بكر- و عبد الله بن أريقط. أما أبو بكر رضى الله عنه فكان صاحب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حله و ترحاله، و أما عامر بن فهيرة فكان راعى غنم يخرج بغنمه فيعفى آثارهما ليضلل المشركين، و أما عبد الله ابن أريقط فكان الدليل لهما في شعاب الجبال؛ لأنه كان يعرفها جيدا. و عن عائشة أنه لم يكن يعرف مكانهما في الغار إلا عبد الله بن أبى بكر و أسماء بنت أبى بكر و عامر بن فهيرة.