نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٦ - التامر على الرسول
قالوا: صدق الشيخ، و قال بعضهم: رأيي أن تحملوه علي جمل و تخرجوه من بين أظهركم فلا يضرّكم ما صنع، و استرحتم. فقال الشيخ: و الله ما هذا لكم برأي؛ أ لم تروا حسن حديثه، و حلاوة منطقه، و غلبته على قلوب الرجال مما يأتى به، فو الله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله و حديثه حتّى يبايعوه، ثم يسير بهم حتّى يطأكم بهم. فقالوا: صدق الشيخ، فقال أبو جهل: أرى أن يعطى خمسة رجال من خمس قبائل سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في هذه البطون، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قومهم جميعا، فصوّب الشيخ النجدى قول أبى جهل. فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله، فأخبر جبريل بذلك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان مما أنزل عليه في ذلك اليوم وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الآية ٣ سورة الأنفال] و قوله عز و جل أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الآية ٣٠ سورة الطور].
* و لما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أتاه جبريل و أخبره بذلك، و قال: لا تبت هذه الليلة علي فراشك الّذي كنت تبيت عليه، و قال له: إن الله يأمرك بالهجرة إلى المدينة، ثم سأل جبريل عمّن يهاجر معه، قال: «أبو بكر الصدّيق»، فمن ذلك سمّاه الله صديقا، و قد سبق أن سبب تسميته صدّيقا في المعراج بقوله لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صدقت في كل ما تخبر به»، فلعل هذا سببا ثانيا لتأكيد التسمية بالصدّيق و تحقيقها. فلما كان الليل اجتمعوا علي بابه يرصدونه حتّى ينام، فيثبوا، أى ينهضوا و يقوموا عليه، و هو إذ ذاك داخل الدار، فأمر (عليه الصلاة و السلام) عليا فنام مكانه، و غطّى ببرد أخضر، و كان أول من شرى نفسه، و نزل فيه قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الآية: ٢٠٧ سورة البقرة].
و ذكر الغزالى في «الإحياء» بأن الله تعالى أمر جبريل و ميكائيل أن يهبطا إلى