نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٥ - التامر على الرسول
[التامر على الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) في دار الندوة]:
ثم لما رأت قريش أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد صارت له شيع و أصحاب من غيرهم بغير بلدهم، و رأوا خروج شيعته و أصحابه [١] من المهاجرين إليهم تحدّوا خروجه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاجتمعت قريش في دار الندوة للمشاورة في إخراجه أو حبسه أو قتله، و هي دار قصى بن كلاب، و هو أوّل من بناها، و كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، و منعوا الناس من الدخول إليهم، لئلا يدخل أحد من بنى هاشم، فيطّلع علي حالهم، فلما قعدوا للتشاور تزيّا (*) لهم إبليس بصورة شيخ نجدى متطيلس» [٢] فوقف علي الباب، فلمّا رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، و لن تعدموا منى رأيا و نصحا قالوا: ادخل.
فدخل، و كان قد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة.
فزعم ابن دريد في «الوشاح» [٣] أنهم كانوا خمسة عشر رجلا، و قال ابن دحية فى «مولده»: إنهم كانوا مائة رجل. ثم شرعوا في الكلام فقال بعضهم: إن هذا الرجل- يعني محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قد كان من أمره ما كان، و إنّا لا نأمن منه الوثوب علينا بمن اتبعه، فأجمعوا فيه رأيا، فقال بعضهم: رأيى أن تحبسوه في بيت و تشدّوا وثاقه، و تسدّوا بابه، غير كوّة تلقون إليه طعامه و شرابه منها و تربصوا به ريب المنون حتّى يهلك فيه، كما هلك من الشعراء من كان قبله، كزهير و النابغة. فصرخ الشيخ النجدى (عدو الله و رسوله) فقال: بئس الرأي؛ و الله لو حبستموه لخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه فوثبوا و انتزعوه من أيديكم،
[١] فى الأصل: «شيعة أصحابه» و بهذا يكون المعنى أصحاب أصحابه، و هو غير مستقيم المعنى، فأصلحناه إلى ما تري.
[٢] متطيلس: أي يلبس طيلسانا و هو ضرب من الأوشحة يحيط بالبدن أو يلبس على الكتف، خال من التفصيل و الحياكة.
[٣] من كتب ابن دريد المفقودة. راجع كتاب ابن دريد حياته و تراثه، للدكتور السنوسى نشر مكتبة الآداب ص ١٢٢- ١٣١.
* أى ظهر لهم في زى شيخ نجدى.