نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٣ - الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة و التمهيد لها
أنكم مسلّموه و خاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز و منعة في قومه و بلده. فقالوا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك و لربك ما أحببت. فتلا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) القرآن، و دعا إلى الله و رغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم و نساءكم و أبناءكم». فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: و الّذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا [١]، فبايعوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و قال بعضهم: يا رسول الله إن بيننا و بين الرجال حبالا [٢]، و إنّا قاطعوها (يعنى اليهود)، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلي قومك و تدعنا؟. فتبسّم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال: «بل الدم الدم و الهدم الهدم [٣] أنا منكم و أنتم مني، أحارب من حاربتم و أسالم من سالمتم، أخرجوا إليّ منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون علي قومهم بما فيهم»، فأخرجوا تسعة من الخزرج، و ثلاثة من الأوس، و انتهت البيعة في العقبة.
فهذه بيعة العقبة الثالثة التى هى في الحقيقة بيعة ثانية؛ لأن الأولى لم تكن بيعة كما تقدم، و لعل من عدّ البيعات ثلاثا اعتبر أن العقبة الأولى التي اجتمع فيها الخمسة من الخزرج كانت بيعة سكوتية؛ لأنها كالبيعتين الأخيرتين، لم يصدر مما حصل فيها مخالفة حيث إن أهل الأولى عادوا في العقبة الثانية و بايعوا مع من حضر معهم من الأنصار علي نصرته (صلّى اللّه عليه و سلّم) على عدوه و الإيمان بما جاء به، و هذا من أعظم درجات الإيمان، فبهذا استحق أهل العقبة الأولى الستة فضل المبايعة، و عدّت مبايعة العقبات ثلاثا.
قيل: أحسن أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ظنّهم بالله، و بايعوا نبيهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي
[١] أزر: جمع مفرده إزار و الإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن.
[٢] أى علائق و عهود.
[٣] قوله الهدم، يروى بسكون الدال و فتحها، فالهدم بالتحريك: القبر، يعني أنى أقبر حيث تقبرون، و قيل هو: المنزل، أى منزلكم منزلي، و الهدم بالسكون و بالفتح أيضا هو: إهدار دم القتيل، يعنى إن طلب دمكم فقد طلب دمي، و إن أهدر دمكم فقد أهدر دمى؛ لاستحكام الألفة بيننا، كما يؤخذ من النهاية (ا ه. هامش الطهطاوى].