نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧١ - الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة و التمهيد لها
[قوله أولاد عام: أي أولاد عامر، و هو سبأ الأكبر] فبينما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض المواسم، عند عقبة الجمرة سنة إحدى عشرة من النبوة، إذ لقى رهطا من الخزرج، و كانوا ستة، و قيل ثمانية، اراد الله بهم خيرا، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نفر من الخزرج، قال: أ فمن موالى يهود [١]؟ قالوا: لا، قال: أ فلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلي. فجلسوا معه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدعاهم إلى الله عز و جل و عرض عليهم الإسلام، و رأوا أمارات الصدق عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال بعضهم لبعض:
و الله إنه للنبى الّذي يوعدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه. فأجابوه و صدّقوه و أسلموا، و قالوا له: إنّا تركنا قومنا الأوس و الخزرج بينهم من العداوة و الشر ما بينهم، فإنّ الله يجمعهم عليك، فلا رجل أعز منك. و كان الأوس و الخزرج أخوين لأب و أم، فوقعت بينهما العداوة، و تطاولت بينهم الحروب، فمكثوا على المحاربة و المقاتلة نحو عشرين و مائة سنة [٢].
و لما آمنوا به (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صدّقوه، قالوا: إنا نشير عليك أن تمكث على حالك بسم الله حتّى نرجع إلي قومنا، فنذكر لهم شأنك و ندعوهم إلى الله عز و جل و رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لعل الله يصلح ذات بينهم، و نواعدك الموسم من العام المقبل. فرضى بذلك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و يسمّى هذا ابتداء إسلام الأنصار؛ فإنهم أجابوه و انصرفوا راجعين إلى بلدهم من غير مبايعة، و يقال: «هم أهل العقبة [٣] الأولي» فلما كان العام المقبل قدم من الأوس و الخزرج اثنا عشر رجلا، فاجتمعوا به (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند العقبة أيضا، منهم خمسة من أهل العقبة الأولى، فبايعهم و عاهداهم، و هذه المبايعة في
[١] أى من الموالين لهم.
[٢] فى الأصل: «مائة و عشرين سنة» و هو خطأ فجعلناها هكذا؛ لأن الأعداد لا تنطق بالعربية إلا هكذا: أي من اليمين إلي اليسار- جعلنا الله من أصحاب اليمين بفضله و منّه و كرمه.
[٣] العقبة: منزل في طريق مكة: بعد واقصة و قبل لمن القاع لمن يريد مكة، و هو ماء لبنى عكرمة، من بكر بن وائل. ا ه. مراصد.