نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٠ - الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة و التمهيد لها
و أبوا عليه. فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم، و كان فيهم شيخ أدركه السن، حتى لا يقدر أن يوافى معهم الموسم، فقدموا عليه، سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، أحد بن عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه و نقوم معه، و نخرج إلى بلادنا. فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال:
يا بنى عامر، هل لها من تلاف؟ هل لها من مطّلب؟ و الّذي نفسى بيده ما يدّعى النبوة كاذبا أحد من بنى إسماعيل قط، و إنها لحق، و إن رأيكم غاب عنكم.
و قد بشّر بظهوره و هجرته [من ملوك حمير الملك الحارث الرائش أبو التبابعة فى أبيات يقول فيها:
أنا الملك المتوّج ذو العطايا * * * جلبت الخيل من أوطان شام
لنوطنها البلاد إلى بلاد * * * تداولها الملوك من ال رام
لأنّا الأغلبون إذا بطشنا * * * و أنّا المنقمون لكل دام
و أنّا يوم نغضب أو نسامي * * * تكاد الأرض ترجف بالأنام
و لن ترضى تقرّ بمن عليها * * * و يشرق وجهها بعد الظلام
و فينا الملك و الأملاك منّا * * * و نحن الأكرمون بنو الكرام
أبونا يعرب، و به نسامي * * * فنقهر من يفاخر أو يسامي
فإن أهلك فقد أمّلت ملكا * * * لكم يبقى إلى وقت التّهامي [١]
و يملك بعدنا منّا ملوك * * * يديمون الأنام بغير دام
و يخرج بعدهم رجل عظيم * * * نبيّ لا يرخّص في الحرام
يفارق أهله، و له كتاب * * * يوافق خطّه رجع الكلام [٢]
و أحمد اسمه، يا ليت أنّي * * * أؤخّر بعد مخرجه بعام
و يخلف بعده خلفاء برّ * * * و تملك بعده أولاد عام
[١] هو النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، نسبة إلى تهامة بكسر التاء. و في المراصد: «تهامة تساير البحر، و منها مكة» و أصل البلاد: تهامة، و الحجاز، و نجد، و إنما سمي الحجاز حجازا لأنه حجز بين تهامة و نجد.
[٢] الرجع: الصدي، و الترجيع: الترديد في الحلق.