نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٦ - مسألة رؤية اللّه
قال: و ليس المراد برؤية الفؤاد مجرد حصول العلم؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان عالما بالله على الدوام، فليس المراد بالرؤية المعرفة؛ لأن غيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأولياء إذا أطلقوا الرؤية و المشاهدة و أسندوا ذلك لأنفسهم إنما يريدون بها المعرفة فقط، فقال بعضهم:
دنا ليلة الإسراء ممن أحبّه * * * و ثانيه روح القدس و الناس هجّد
دنوّ اصطفاء لا دنوّ مسافة * * * و إن كان في حالاته ليس يبعد
و قال أيضا:
نجىّ لربّ العالمين مقرّب * * * حبيب فيدنو كل حين و يستدنى
نأى ليلة الإسراء عنّا ترقيا * * * فكان دنوا قاب قوسين أو أدنى
فقلنا له عن صحة ألف آية * * * و هل تنكر الأزهار في الروضة الغنى
و لم تثبت الرؤية في الدنيا لغيره (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حتى لموسى (عليه السلام)، كما قال:
و لو قابلت لفظة «لن ترانى» * * * ب «ما كذب الفؤاد» فهمت معنى
خلافا لمن قال غير ذلك:
و الحاصل في أنه «على القول بوقوع الرؤية في الدنيا» لم تحصل لبشر غير نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و من ادّعاها في الدنيا يقظة فهو ضال بإطباق العلماء، بل قيل بتكفيره. و قد نقل جماعة الإجماع على أنها لا تحصل للأولياء في الدنيا، و الصواب أنه مختلف فيها و أن المنع أرجح قولى الأشعرى، و ذهب ابن الصلاح و غيره إلى تكذيب مدّعيها يقظة في الدنيا، فإن صح عن أحد من المعتبرين وقوع ذلك يؤوّل بأن تقلبات الأحوال تجعل الغائب كالمشاهد، حتى إذا كثر اشتغال السرّ بشيء و استحضاره له صار كأنه حاضر بين يديه، كما هو معلوم بالوجدان لكل أحد، و عليه يحمل ما نقل عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كان يطوف حول البيت فسلّم عليه إنسان فلم يردّ عليه، فشكاه إلى عمر رضى الله عنه، فقال: «كنا نرى الله في ذلك المكان»، و هذا يدل على أنه قد تتفق في زمان دون زمان، و مكان دون زمان، و مكان دون مكان، و سيأتى قريبا لذلك بعض تحقيق.