نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٤ - مسألة رؤية اللّه
و أخرجه أيضا ابن خزيمة من طرفين، و هذا ظاهر في انتفاء الرؤية عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الجواب عن ذلك ممن أثبتها له (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الدنيا ما قاله ابن حجر: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، يعنى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نفاها عن غيره.
و أما ما تمسكت به عائشة رضى الله عنها، فقد أجاب عنه صاحب «التحرير»، كما نقله عنه النووى و أقره من قوله بعد نقله حديث ابن عباس و أنس السابقين، و لا يقدح في هذا حديث عائشة؛ لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: لم أر ربى، و إنما ذكرت ما ذكرت متأوّلة لقول الله تعالى:
وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١]، و لقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣]، و الصحابى إذا قال قولا خالفه غيره من الصحابة لم يكن قوله حجة اتفاقا، و إذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها؛ فإنها ليست مما يدرك بالعقل و يؤخذ بالظن، و إنما تتلقّى بالسماع، و لا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه تكلم في هذه المسألة بالظن و الاجتهاد، و قد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة و ابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيا نفاه غيره، و المثبت مقدّم على النافي.
هذا كلام صاحب التحرير.
قال النووى: «و الحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى ربّه بعينى رأسه ليلة الإسراء، لحديث ابن عباس و غيره مما تقدم، و إثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هذا مما لا ينبغى أن يشك فيه [١].
ثم إن عائشة رضى الله تعالى عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول
[١] الواقع الّذي لا نشك فيه: أن (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يره بالعين المجردة، و أن ما قاله ابن عباس و السيدة عائشة رضى الله عنهما لا خلاف فيه، فالسيدة عائشة كلامها- فيما ندرى- عن العين المجردة، و ابن عباس عن عين القلب، و قد حسم القضية كلها من أولها لآخرها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) نفسه فيما رواه ابن أبي حاتم عن أبى ذر لما سأله عن ذلك فقال: «إنه راه بقلبه و لم يره ببصره».