نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٣ - مسألة رؤية اللّه
«أ تعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، و الكلام لموسى، و الرؤية لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟!» و عند الطبراني من حديثه: انظر محمد إلى ربه. قال عكرمة فقلت له: نظر محمد إلى ربه؟ فقال: قد جعل الكلام لموسى، و الخلة لإبراهيم، و النظر لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)». و أخرجه البيهقى بلفظ: «إن الله اصطفى إبراهيم بالخلّة، و اصطفى موسى بالكلام، و اصطفى محمدا بالرؤية».
و عن عكرمة «سئل ابن عباس: هل رأى محمد ربه»؟ قال: نعم». و قد روى بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس. قال: رأى محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) ربّه».
و الأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة، و الرجوع إليه في المعضلات، و قد راجعه ابن عمر في هذه المسألة، و راسله: هل رأى محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) ربه؟ فأخبره أنه راه، فالعقيدة على مذهب ابن عباس رضى الله تعالى عنه.
و أما ما قاله الإمام مالك رضى الله عنه من أن الله سبحانه و تعالى لم ير في الدنيا؛ لأنه باق، و الباقى لا يرى بالفانى، فإذا كان في الآخرة و رزقوا أبصارا باقية رأوا الباقى بالباقى، و مقتضاه أنه يقول بعدم رؤيته لأحد في الدنيا، فيكون مذهبه مذهب من قال: إن محمدا لم ير ربّه، فقد تأوله بعض المتأخرين بقوله:
هو كلام حسن مليح، ليس فيه دلالة على استحالة الرؤية في الدنيا إلا من حيث ضعف القوة الباصرة، فإذا قوّى الله من شاء من عباده و أقدره على حمل أعباء الرؤية في أى وقت كان، فلا مانع من ذلك، و هو الحق، فيجوز أن يقال: إن الله تعالى أودع البصر الشريف قوة أقدر بها على رؤيته تعالى، كما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يرى جبريل، و الصحابة عنده لا يرونه: للقوة التى أمدّه [١] الله بها دونهم ..
قال الحافظ ابن حجر: و وقع في صحيح مسلم ما يؤيد التفرقة في الرؤية بين الدنيا و الآخرة في حديث مرفوع، فيه: «و اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتّى تموتوا».
[١] فى الأصل: للقوة التى أمدها الله دونهم.