نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣٦ - الفصل الثالث فى خروجه
يقال له «عدّاس» معدود في الصحابة، مات قبل الخروج إلى بدر، فقالا: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. فأقبل عداس بالطبق حتّى وضعه بين يدى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال له:
كل. فلما وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه يده الشريفة، قال: بسم اللّه، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، و قال: و اللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له (صلّى اللّه عليه و سلّم): من أيّ البلاد أنت؟ و ما دينك يا عداس؟ فقال: نصراني، و أنا من أهل نينوى، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): أنت من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس:
و ما يدريك ما يونس بن متّى؟ فإني خرجت و اللّه من نينوى و ما فيها عشرة يعرفون ما متّى! فمن أين عرفت ابن متى و أنت أمّي و في أمة أميّة؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ذلك أخي، كان نبيّا و أنا نبى أميّ. فقام عداس و أكبّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقبّل رأسه و يديه و قدميه، فقال أحد الأخوين عتبة و شيبة للاخر: أمّا غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قال له أحدهما: ويلك، ما لك تقبّل رأس هذا الرجل و يديه و قدميه؟! فقال: يا سيدى ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبي، فقال: ويحك يا عداس ليصرفنك عن دينك و ليفتننك عن نصرانيتك؛ فإنه رجل خدّاع، و دينك خير من دينه!
فأقام (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالطائف عشرة أيام و شهرا، لا يدع أحدا من أشرافهم (أى زيادة على عبد ياليل و أخويه) إلا جاء إليه و كلّمه، فلم يجبه أحد، ثم ذهب إلى نخلة [١] و هى موضع على ليلة من مكة، أقام بها أياما.
و حضر إليه سبعة من جن نصيبين [٢]، و هى مدينة بالشام بوادى نخلة (موضع على ليلة من مكة) و هو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فحين رجعوا إلى قومهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) [الجن: ١، ٢] فأوحى اللّه إلى نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما قالوه لقومهم.
[١] فى المراصد: نخلة محمود: موضع بالحجاز قريب من مكة- نخلة اليمانية: بها مسجد للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)- نخلة الشامية، ذات عرق. ا ه. ملخصا.
[٢] من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من موصل إلى الشام، و قرية من قرى حلب، و مدينة على شاطئ الفرات تعرف بنصيبين الروم.