نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢ - ترجمة المؤلف
المعرّبة، تغطى تاريخ العالم بقدر الإمكان، إلا أننا نجده في النصف الثانى من القرن التاسع عشر خطا خطوة جديدة، و بدأ يؤلف في التاريخ، و في تاريخ مصر بوجه خاص.
و رغم أن الشيخ رفاعة لم يدرك ثورات المصريين ضد الحملة الفرنسية، إذ ولد في نفس السنة التي غادرت فيها الحملة مصر، لكنه سمع عنها الكثير، و قرأ عنها في كتاب الجبرتى «عجائب الآثار»، و كذلك قرأ الكثير عن الثورة الفرنسية أثناء دراسته في باريس، و قرأ كثيرا من مؤلفات الكتّاب الفرنسيين الذين مهدوا لقيام الثورة الفرنسية، أمثال «روسو» و «فولتير» و «منتسكيو»، و شهد ثورة فرنسا سنة ١٨٣٠ م، و ترجم الدستور الفرنسى الّذي وضعه لويس التاسع عشر.
لذلك كله اتجه رفاعة- عند ما بدأ التأليف في التاريخ- اتجاها قوميا، و وضع لنفسه خطة ترمى إلى وضع مؤلّف ضخم في تاريخ مصر، منذ عهد الفراعنة إلى العصر الحديث.
و كان للجهود التى بذلها علماء الحملة الفرنسية في مصر أثر كبير في لفت الأنظار إلى الآثار المصرية، و كان لعثور رجال الحملة على حجر رشيد، و عكوف علماء فرنسا على قراءة ما عليه من نصوص، و توفيق العالم الفرنسى «شمبليون» فى فكّ رموز الكتابة الهيروغيلفية، مما مكّن من قراءة النصوص المنقوشة على جدران المقابر و المعابد، و المكتوبة على أوراق البردى و غيرها، و تمكين المؤرخين من التعرف على أسرار الحضارة المصرية القديمة، بعد أن ظلت مجهولة قرونا طويلة.
ثم أقبل الباحثون و المنقبون الأوروبيون على الحفر، و كشفوا كثيرا من الآثار المصرية القديمة، و بدأ الأثريون و المؤرخون الأوروبيون يكتبون تاريخ مصر القديم كتابة صحيحة إلى حد كبير. و استفاد رفاعة الطهطاوى من هذه الحركة، و بدأ يؤلف كتابا في تاريخ مصر منذ القدم، و خصص الجزء الأوّل لتاريخ مصر فى عصور الفراعنة، و البطالمة، و الرومان، و سمّاه «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر، و توثيق بني إسماعيل» و قد طبع هذا الجزء في بولاق سنة ١٢٨٥ ه.