نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٩ - * اشتداد الأذى عليه
جهل و غيره من الكفار يبصرونه و ينظرون إليه، كمال النظر، و لم ينجوا، بل ماتوا على الكفر؟! فأجابه الشيخ- (قدس سره)- بأنّ هؤلاء كانوا لا يبصرون تلك الحضرة، بل كانوا يبصرون محمد بن عبد الله، و ينظرون إليه بالنظر إلى أنه رجل من بنى آدم، حتى لو كانوا أبصروه بوصف كونه محمدا رسول اللّه لفازوا بالسعادات و نجوا من الشبهات و تنحوا عن الضلالات، و مصداق ذلك قوله جل ذكره: وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: ١٩٨] و تحقيق ذلك أن الجثة الإنسانية و الصورة البشرية الجسمانية يشترك فيها الأنبياء و الأولياء و العلماء، و تستوى فيها الخاصة و العامة، و إنما الّذي يناط به مراتب الرجال، و يظهر تفاوت الأقدار هو المعانى و الكمالات الحاصلة للإنسان، مع تفاوتها و تكثّرها المتعلقة بالقرب الإلهي، و لا يعرف صاحب هذه الأوصاف إلا الكاملون، فمن غرق في بحار الضلالات و انغمس في تيه الجهالات كيف يعرف كنه المتصف بصفات الكمالات؟!
فكيف يدرك في الدنيا حقيقته * * * قوم نيام تسلّوا عنه بالحلم!
[ا ه.]
* [اشتداد الأذى عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم)]:
فغير الاستمرار على الإيذاء لجسمه الشريف تعرضوا دائما لرميه بالسحر و الكهانة و الجنون، بعد ما سبق منهم قبل النبوة أنهم كانوا ينظرون إليه نظر كمال و إجلال، حتى سموه بالأمين قبل النبوة، و اشتهر عندهم بهذا العنوان، و لم يجربوا عليه بعد إشهاره بذلك خللا و لا نقصا؛ فتناقض أمرهم فيه، و اختل اعتقادهم بعد النبوة لعمى بصيرتهم، و رجعوا وصفوه بالجنون مثلا، و لم يكن لهم شبهة في ذلك إلا ما رأوه منه عند نزول الوحى من الاستغراق لتلقّيه، و من خمرة الوجه و كثرة الغطيط، فعميت قلوبهم عن إدراك الفرق بين حالة نزول الملك و حالة الجنون، مما لا يخفى على أدنى عاقل، فكانوا ينظرونه كأنه رجل من بنى آدم، و لا يلتفتون إلى أمانته و لا إلى وصف النبوة.
فالمبالغة في أذى قريش للمسلمين هى التى أوجبت الهجرة إلى الحبشة مرتين، كما أن المبالغة- خصوصا في إيذائه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- هى التى أوجبت الخروج إلى الطائف ثم الهجرة إلى المدينة.