سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٥ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
[الأعراف ٢٢]، و تصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى: وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه ١٢١]، أي جهل.
و قيل: أخطأ، فإنّ اللّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه ١١٥]، قال ابن زيد: نسي عداوة إبليس له، و ما عهد اللّه إليه من ذلك بقوله: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ ... [طه ١١٧] الآية.
و قيل: نسي ذلك بما أظهر لهما.
و قال ابن عباس: إنما سمّي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي.
و قيل: لم يقصد المخالفة استحلالا لها، و لكنهما اغترّا بحلف إبليس لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف ٢١]، و توهّما أنّ أحدا لا يحلف باللّه حانثا.
و قد روي عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار.
و قال ابن جبير: حلف باللّه لهما حتى غرّهما، و المؤمن يخدع.
و قد قيل: نسي، و لم ينو المخالفة، فلذلك قال: وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً، أي قصدا للمخالفة.
و أكثر المفسرين على أنّ العزم هنا الجزم و الصّبر.
و قيل: كان عند أكله سكرانا، و هذا فيه ضعف، لأن اللّه تعالى وصف خمر الجنّة أنها لا تسكر، فإذا كان ناسيا لم تكن معصية، و كذلك إن كان ملبّسا عليه غالطا، إذ الاتفاق على خروج الناسي و السّاهي عن حكم التكليف.
و قال الشيخ أبو بكر بن فورك و غيره: إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوّة، و دليل ذلك قوله تعالى: وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى، فذكر أَنَّ الاجتباء و الهداية كانا بعد العصيان.
و قيل: بل أكلها متأوّلا، و هو لا يعلم أنّها الشجرة التي نهي عنها، لأنّه تأوّل نهي اللّه عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، و لهذا قيل: إنما كانت التوبة من ترك التحفّظ، لا من المخالفة.
و قيل: تأوّل أنّ اللّه لم ينهه عنها نهي تحريم.
فإن قيل: فعلى كلّ حال فقد قال اللّه تعالى: وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ، و قال: فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى. و قوله في حديث الشفاعة: و يذكر ذنبه، و قال: إني نهيت عن أكل الشجرة فعصيت، فسيأتي الجواب عنه و عن أشباهه مجملا آخر الفصل إن شاء اللّه.