سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧ - الثاني عشر فيما كانت فيه من ضيق العيش و خدمتها نفسها- رضي اللّه تعالى عنها- مع استصحاب الصّبر الجميل
العاشر: في أنّها أصدق النّاس لهجة.
و روى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- إلا أن يكون أباها (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و روى أبو عمر عنها قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة من فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- إلا أن يكون الذي ولدها (صلّى اللّه عليه و سلّم).
الحادي عشر: في برّها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
روى أبو يعلي عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شقّ عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهنّ شيئا، فأتى فاطمة فقال: يا بنيّة، هل عندك أكلة، فإنّي جائع فقالت: لا و اللّه، بأبي أنت و أمّي، فلمّا خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين و قطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها، و غطّت عليها، قالت: و اللّه، لأوثرنّ بهذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نفسي و من عندي، و كانوا جميعا محتاجين إلى شعبة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرجع إليها فقالت له:
بأبي أنت و أمي قد أتى اللّه بشيء فخبّأته لك قال: «هلمّي فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا و لحما، فلما نظرت إليها بهتت، و عرفت أنّها بركة من اللّه، فحمدت اللّه و صلّت على نبيه و قدمته إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلمّا رآه حمد اللّه و قال: «من أين لك هذا يا بنية؟» فقالت: يا أبت، هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عليّ ثم أكل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليّ و فاطمة و حسن و حسين و جميع أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهل بيته جميعا حتى شبعوا و بقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع جيرانها، و جعل اللّه فيه بركة و خيرا كثيرا.
الثاني عشر: فيما كانت فيه من ضيق العيش و خدمتها نفسها- رضي اللّه تعالى عنها- مع استصحاب الصّبر الجميل.
روى الدولابي عن أسماء بنت عميس عن فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها.
و روى أبو يعلى برجال الصحيح و ابن أبي شيبة عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قلت لأمي فاطمة بنت أسد- رضي اللّه تعالى عنها- أكفي بنت محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) سقاية الماء و الذّهاب في الحاجة، و تكفيك خدمة الداخل الطحن و العجن.
و روى الطبراني برجال ثقات إلا عتبة بن حميد وثّقه ابن حبّان و ضعّفه جماعة عن عمران بن حصين قال: إني لجالس عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ أقبلت فاطمة، فقامت بحذاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقابلة فقال: «ادني يا فاطمة»، فدنت دنوة، ثم قال «ادني يا فاطمة»، فدنت دنوة، ثم قال: